فهرس الكتاب

الصفحة 931 من 1664

وقال تعالى: (( ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين * قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين * وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا ، وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ) سبأ .

ونحوها من الآيات ..

فتأمل تخاصمهم بعد فوات الأوان وإسرارهم الندامة لما رأوا العذاب ..

وقولهم لساداتهم الذين قادوهم إلى الهلاك: (( بل مكر الليل والنهار إذا تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادًا .. ) ).

فالاستضعاف ليس عذرًا في مثل هذا ، وإنما يعذر المستضعف باستضعافه ، في ارتكاب بعض المحرمات ؛ أو التقصير في بعض الواجبات ، كترك الهجرة إلى المسلمين والتقصير في نصرتهم ونحو ذلك مما يعجز عنه في استضعافه ، ما لم يرتكب مكفرًا صريحا باختياره إذ الاستضعاف شيء غير الإكراه الذي تقدمت صورته والذي يمنع من تكفير من ارتكب شيئا من أسباب الكفر الظاهرة ، وقلبه مطمئن بالإيمان ..

ولذلك وصف الله المستضعفين من المؤمنين بأنهم يسعون جاهدين ويدعون الله مخلصين أن يخرجهم من بين الكفار ، ولا يطمئنون لواقع الاستضعاف، أو يتخذونه ذريعة وعذرًا لبيع الدين بالدنيا .

كما هو حال من يتعذر به اليوم من المفتونين .. فقال تعالى (( .. والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرا ) )75 النساء .

3-وليس من موانع التكفير كون المرتدين وأنصارهم أو غيرهم من الكفار يعتقدون انهم مؤمنون أو أنهم على حق فيما يرتكبونه من المكفرات ..

فقد وصف الله تعالى كثيرًا من الكفار بذلك ، ولم يجعل ذلك مانعًا من تكفيرهم ..

فقال سبحانه .. (( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) ) [ الكهف: 104 ]

وقال تعالى (( إنهم اتخذوا الشياطين أولياء لهم من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون ) ) [الأعراف: 30 ]

وهكذا شأن أكثر الكفار في كل زمان ، ففرعون طاغوت مصر كان يقول لقومه: (( ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) ).

وقال تعالى عن غيره: (( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ) ).

وهكذا الكفار في كل زمان ، وحتى اليهود والنصارى يعتقدون أنهم مهتدون وأنهم هم المؤمنون وأصحاب الجنة الفائزون .

كما قال تعالى (( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه.. ) )

وقال سبحانه (( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى ) )

وهكذا سائر الكفار ..

ومعلوم أن ذلك ليس بنافعهم عند الله ولا وهو بمانع من تكفيرهم في الدنيا ..

وعلى كل حال ، فتقييد التكفير بالاعتقاد هو مذهب غلاة المرجئة الذين يرون الإيمان اعتقاد القلب وحده فقط ومن ثم فلا يكون الكفر في مذهبهم إلا بالاعتقاد .. وانظر تفصيل هذا في كتابنا (إمتاع النظر في كشف شبهات مرجئة العصر)

أضف إلى هذا أن الاعتقاد أمر مغيب في القلب غير ظاهر ولا يمكن ضبطه ما دام كذلك .. ولذلك لم يعتبره الشارع كمانع من موانع التكفير في أحكام الدنيا فقد تقدم في تعريف المانع: ( انه وصف وجودي ظاهر منضبط يمنع ثبوت الحكم ) فما لم يكن كذلك ، فليس بمانع من موانع التكفير ولا دخل لنا به في أحكام الدنيا ..

4-وليس من موانع التكفير، كون من كفر بسبب من أسباب الكفر أو ناقض من نواقض الإسلام يلتزم بعض شرائع الإسلام كالصلاة أو الإقرار بالشهادتين أو نحوهما (33) ..

فهذا لا يمنع من تكفيره لأنه لم يكفر من جهة الامتناع عن شيء من الشرائع المذكورة .. وإنما كفر بسبب أخر غير ذلك ..

وقد ذكر الله تعالى في كتابه أن للمشركين أعمالًا ، وأن بعضهم عنده من شعب الإيمان أشياء لم تنفي عنه الشرك كما قال: (( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) )

وبين في موضع آخر أن الشرك محبط لجميع تلك الأعمال فقال تعالى: (( ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ) ).

ومعلوم ان الإنسان يدخل الإسلام بالإقرار بالشهادتين ثم لا يستمر إسلامه ولا تدوم عصمته إلا بالمحافظة على مجموع شعب هي أصل الإيمان .. بينما يحبط ذلك كله بسبب واحد من أسباب الكفر .

ومن الأدلة الواضحة على أن هذا الأمر ليس من الأعذار المقبولة عند الله تعالى ولا هو من موانع التكفير ..

قوله تعالى (( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) ) [ التوبة 65-66] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت