فهرس الكتاب

الصفحة 930 من 1664

وأخبر انه لم يحملهم على الكفر الجهل ، ولا بغض ( الحق ) ، أو محبة الباطل ، وإنما هو أن لهم حظًا من حظوظ الدنيا آثروه على الدين …

قال: وهذا معنى كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى .

وأما ما يعتقده كثير من الناس عذرًا فإنه من تزيين الشيطان وتسويله ، فذلك أن بعضهم إذا خوفهم أولياء الشيطان خوفًا لا حقيقة له ، ظن انه يجوز له إظهار الموافقة للمشركين والانقياد لهم ) أهـ .

ثم ذكر كلامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية في صفة الإكراه على كلمة الكفر ، وأنه لا يكون إلا بالضرب والتعذيب والقتل ، لا بمجرد الكلام ولا بالتخويف بالحيلولة دونه ودون زوجته أو ماله أو أهله …

وقد نقل السيوطي في مقدمة تاريخ الخلفاء عن القاضي عياض قال: سئل أبو محمد القيرواني الكيزاني من علماء المالكية عمن أكرهه بنو عبيد يعني ( حكام) مصر على الدخول في دعوتهم ، أو يقتل ؟

قال: يختار القتل ، ولا يعذر أحد في هذا الأمر، كان أول دخولهم قبل أن يعرف أمرهم ، وأما بعد فقد وجب الفرار فلا يعذر أحد بالخوف بعد إقامته ، لأن المقام في موضع يطلب من أهله تعطيل الشرائع لا يجوز ، وإنما أقام من أقام من الفقهاء على المباينة لهم ، لئلا تخلو للمسلمين حدودهم ، فيفتنوهم عن دينهم ) أهـ (ص13) .

ويصدق هذا ويدل عليه قوله تعالى: (( إن الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ، قالوا فيم كنتم قالوا: كنا مستضعفين في الأرض ، قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ) ) [ النساء: 97 ]

فإنها نزلت في أناس كانوا قد أسلموا ولكنهم قصروا في الهجرة ، فبقوا في مكة بين المرتدين مشحّة أن يتركوا المساكن والأزواج والأموال والأوطان ، فلما كان يوم بدر ، أخرجهم المشركون في صفوفهم ، فكان المسلمون إذا رموا بسهم وقع في بعضهم ، فقالوا: قتلنا إخواننا ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات من سورة النساء ، فلم يعذرهم تعالى بدعواهم الإستضعاف وإخراج المشركين لهم في الصف كرهًا ، لأنهم قصروا أول مرة في الهجرة والخروج من بينهم حين كانوا في سعة حال القدرة عليه ، وإنما عذر- كما في الآية التي بعدها - المستضعفين حقًا الذين لا يتمكنون من الهجرة ولا يستطيعونها إما لحبسهم وقيدهم وإستضعافهم الحقيقي ، أو لأنهم لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيل الهجرة ، كالنساء والولدان ونحوهم ..

فدل هذا كله على أن المكثر لسواد الكفار والمشركين المظهر موافقتهم ونصرتهم على المسلمين لا يعذر بمجرد دعواه الخوف على الأموال والمشحة (بالتقاعد) والمساكن ونحوها من متاع الدنيا وقشورها ..

فكيف بمن أظهر نصرة الشرك نفسه وحمى وحرس قوانين الكفر وخرج مختارًا لنصرتها ونصرة أهلها على الموحدين ..؟؟ ثم تعذر بأمثال تلك الأعذار ..

لا شك أن هؤلاء أولى بذلك وأولى ..

2-ولذلك فليس من موانع التكفير أيضًا كون المرتدين وأنصارهم يتعذرون بالاستضعاف وأنهم لا حيلة لهم مع حكامهم ، فالاستضعاف لو كان موجودًا معتبرًا في حقهم فإنه لا يسوغ لهم نصرة الشرك والكفر أو نصرة أهله على المسلمين ، إذ لا أحد يجبرهم على ذلك ، ولا على تولي الوظائف التي فيها جنس ذلك .. بل هم يستميتون في الحصول عليها .. ويلتمسون الشفاعات والوساطات لنيلها والوصول إليها ..

وأعجب من ذلك ما سمعته من بعض من طمس الله على بصائرهم وأعماهم عن نور الوحي ، يعتذرون للحكام المعطلين لشرع الله المشرعين لقوانين الكفر المحكمين لها والممتنعين بها ، بأنهم مستضعفون عند أمريكا ولا يستطيعون تحكيم الشرع بسبب ذلك ..!! وكنت أسألهم: فمن ذا الذي يجبرهم على البقاء في الحكم والتشبث بكرسيه بالنواجذ وأصابع الأيدي والأرجل ، كيف وقد وصل أكثرهم إلى هذه الكراسي على ظهور الدبابات ، وبكل ما يقدرون عليه من وسائل القتل والغدر والخسة ، فمنهم من قتل والده ، ومنه من نفاه ، ومنهم من أباد قرى ومدن كاملة من أجل ذلك .. ثم يقول أولئك العميان ؛ أنهم مستضعفون لأمريكا .. بل فليسموا الأشياء بأسمائها الحقيقية وليقولوا: هم أذنابها وإخوانها وأحبابها ..

وعلى كل حال ، فالمستضعف عمومًا لا يحل له اقتراف قول أو فعل مكفر .. وإنما يرخص له فقط في مداراة الكفار والتقية ، وهي ترك الإنكار عليهم باليد واللسان ، مع بقاء كراهيتهم وإنكار باطلهم في القلب ، وترك إظهار عداوتهم مع بقاء أصلها بالقلب ، دون أن يتابعهم على كفر أو يرضى به ، كما في الحديث ( إلا من رضي وتابع )

فالله لم يعذر المتابعين للكفار على كفرهم وشركهم بحجة الاستضعاف ، كما هو بين واضح في آيات كثيرة …

منها قوله تعالى: (( وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إن كنا لكم تبعًا فهل انتم مغنون عنا نصيبًا من النار * قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد ) )غافر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت