فهرس الكتاب
يقول محمد بن الحسن الشيباني: ( ولو أن قومًا من أهل الحرب الذين لم يبلغهم الإسلام ولا الدعوة أتوا المسلمين في دارهم ، يقاتلهم {المسلمون} بغير دعوة ليدفعوا عن أنفسهم ، فقتلوا منهم وسبوا وأخذوا أموالهم فهذا جائز … ) أهـ . من السير الكبير ، وما بين المعكوفين زيادة أثبتها السرخسي في شرحه ، ثم قال: ( لأن المسلم لو شهر سيفه على مسلم حل للمشهور عليه سيفه قتله للدفع عن نفسه ، فها هنا اولى ، والمعنى في ذلك أنهم لو اشتغلوا بالدعوة إلى الإسلام فربما يأتي السبي والقتل على حرم المسلمين وأموالهم وأنفسهم فلا يجب الدعاء ) أهـ.
ويقول ابن القيم: ( ومنها أن المسلمين يدعون الكفار -قبل قتالهم- إلى الإسلام هذا واجب إن كانت الدعوة لم تبلغهم ، ومستحب إن بلغتهم الدعوة ، هذا إذا كان المسلمون هم القاصدين للكفار، فأما إذا قصدهم الكفار في ديارهم فلهم أن يقاتلوهم بغير دعوة لأنهم يدفعونهم عن أنفسهم وحريمهم ) أحكام أهل الذمة ( 1/5) .
فهذا من تفريق العلماء بين جهاد الطلب وجهاد الدفع ..
وقد فرق شيخ الإسلام أيضًا في مواضع عديدة من كتبه بين (المرتد ردة مغلظة -وهو الذي يضيف إلى ردته الامتناع أو المحاربة والقتل أو القتال- فيقتل بلا استتابة وبين المرتد ردة مجردة فيقتل إلا أن يتوب(27) .
وقال في الصارم المسلول ص 322: ( المرتد لو امتنع بأن يلحق بدار الحرب ، أو بأن يكون المرتدون ذوي شوكة يمتنعون بها عن حكم الإسلام ، فإنه يقتل قبل الاستتابة بلا تردد ) أهـ .
وقال أيضا فيه ص325 -326: ( على أن الممتنع لا يستتاب وإنما يستتاب المقدور عليه ) أهـ .
(2) أعذار يتعذر بها المرتدون وغيرهم ، وليست من موانع التكفير (28) :
بعد أن عرفت شروط وموانع التكفير ، بقي أن تتنبه إلى قاعدة شرعية مهمة في هذا الباب وهي: أن ( المانعية والشرطية ، وكذلك السببية لابد لإثباتها واعتبارها دليل شرعي ) (29) فالموانع والشروط والأسباب ، كل ذلك من الأحكام الشرعية الوضعية التي وضعتها الشريعة بتوقيف ..
وما لم يكن كذلك فلا يعتبر ، فمن ادعى سببية أو شرطية أو مانعية شيء لشيء ، فلا بد له من إثبات ذلك بدليل ، وإلا كان تقولًا على الله بلا علم ، فلا يجوز ابتداع أسباب أو شروط أو موانع للتكفير ما أنزل الله بها من سلطان ، ومن فعل ذلك فهو داخل تحت عموم قوله تعالى: (( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) )وقوله سبحانه: (( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله ) ).. فحذار من ذلك ..
حتى إن ( أكثر الأصولين منعوا القياس في الشروط والأسباب والموانع ) (30) - هذا وقد خاض كثير من الخوالف في هذا العصر ، في أعذار وموانع التكفير ، فصار كثير منهم يعتذر للكفار والمرتدين ، بموانع وأعذار مبتدعة - لا تخطر حتى على بال أولئك المرتدين - بعضها ما انزل الله به من سلطان ، وبعضها قد نص الله سبحانه على إبطاله في كتابه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم .
فمن ذلك:
1-الخوف مما يهدد به بعضهم من قطع راتب أو الطرد من الوظيفة أو مصادرة بعض حظوظ دنياهم أو منعهم من بعض قشورها ، فهذا ليس بمانع من موانع التكفير ولا يعذر به من دفعه ذلك إلى الكفر برب العالمين ، وتول المشركين ومظاهرتهم على المسلمين ، ونصرة قوانين المشركين ، بل هو من تزيين الشياطين وإمدادهم لأوليائهم بالغي ، وأزِّهم إلى الكفر أزَّا ، إذ التخويف بمثل هذه الأمور ليس من الإكراه في شيء .
وقد قال تعالى: (( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ) ).
وقال تعالى (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين أمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين * يا أيها الذين أمنوا من يرتد منكم عن دينه …الآيات) المائدة .
ففي هذه الآيات بيان ردة من دفعتهم الخشية المجردة إلى تولي الكفار ، والتصريح بأنهم قد حبطت أعمالهم ، وهذا لا يكون إلا بالكفر ..
فلم يعذر الله في اقتراف الكفر (كتولي المشركين أو قوانينهم) ، بالخشية المجردة ، ولم يجعل ذلك مانعًا من موانع التكفير ،ولم يجعله من الإكراه كما يظن كثير من الجهَّال ..
يقول الشيخ حمد بن عتيق في (سبيل النجاة والفكاك من مولاة المرتدين وأهل الإشراك ) ص62 حين ذكر أحوال الناس المظهرين لموافقة الكفار فذكر فيهم (31) من يوافقهم في الظاهر مع دعوى مخالفته لهم في الباطن وهو ليس في سلطانهم ، قال: ( وإنما حمله على ذلك إما طمع في رئاسة أو مال أو مشحّة بوطن أو عيال أو خوف مما يحدث في المال ، فإنه في هذه الحالة يكون مرتدًا ولا ينفعه كراهته لهم في الباطن(32) .
وهو ممن قال الله فيهم: (( ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ، وإن الله لا يهدي القوم الكافرين ) ).