فهرس الكتاب

الصفحة 935 من 1664

فإذا عجز المسلمون في وقت من الأوقات عن الخروج على الحاكم الكافر وتغييره ، فلا يعني هذا أن يتركوا تكفيره ، بل هذا حكم شرعي يستطيعونه فيجب عليهم أن يتقوا الله فيه .. وفي غيره مما هو من آثار تكفير الحكام ويستطيعونه ، فيجتنبوا نصرته وتوليه والتحاكم إلى أحكامه الكفرية ، ولا يولونه أمر دينهم ، ولا يجعلون له عليهم سبيلا ، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ، ولا يدخلوا في بيعته أو يقاتلوا تحت رايته ، أو يعينوه على باطله أو يظاهروه على مسلم .. إلى غير ذلك مما يملكون فعله ويقدرون عليه ، وأيضًا فإن معرفة كفر الحاكم ، مدعاة إلى العمل الجاد والإعداد الذي يمكن في يوم من الأيام من تغييره ..

بخلاف من كان الحاكم عنده مسلمًا ، فإنه لن يرفع بذلك رأسًا، ولن يفكر يومًا ما بالإعداد الجاد لتغييره كما هو واقع مرجئة العصر في هذا الزمان ..

فاختلاف الحكم على الحاكم عند كل فريق ؛ هو الفرقان والميزان الذي يزن سلوك كل فريق ويميز توجهه وصبغته ، ما بين موحد كافر بالطاغوت معادٍ له ، أو مجتنب على أقل الأحوال ..

وما بين مبايع له مناصر ، أو مجادل عن باطله مهون من كفرياته .. وواقعنا وواقع خصوم هذه الدعوة أكبر شاهد على هذا .. فليتدبر المنصف أحوال الموحدين وسلوكهم ودعوتهم ومنهاجهم في واقع اليوم ..

ثم لينظر في واقع الخوالف الذين ناموا في أحضان الطواغيت ورضعوا من ألبانهم ، وسلطوا ألسنتهم وأقلامهم على كل من خرج عليهم أو نازعهم ، بلسانه أو سنانه..

10 -وليس من موانع التكفير المعتبرة ؛ سوء تربية ‍المقترف للكفر ، كما زعمه بعض من يقتدى بهم ويشار إليه بالبنان في موانع تكفير ساب الرب أو الدين أو الرسول ، فإن أكثر الكفار والمشركين قد كفروا ونشأوا في الشرك لسوء التربية والتنشئة كما اخبر بذلك الصادق المصدوق فقال صلى الله عليه وسلم: ( يولد المولود على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو يشركانه ) رواه مسلم وغيره .

فلم يمنع ذلك من تكفيرهم .

11-وليس من موانع التكفير أيضًا ، اقتراف شيء من أسباب الكفر الظاهرة الصريحة ، بحجة الاستحسان أو الاستصلاح أو ما يسمونه بمصلحة الدعوة ..!! فليس ثم مصلحة معتبرة في الشرك أو الكفر ، لأنه أعظم ذنب عصى الله به في الوجود ، ولذلك قال تعالى: (( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) )وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم ؛ أي الذنب أعظم ؟ فقال: ( أن تجعل لله ندا وهو خلقك ) ..

فهو أعظم المفاسد في الوجود على الإطلاق ، ولذلك كان محبطا لسائر الأعمال قال تعالى: (( ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ) ). وكل مصلحة مزعومة أومدعاة في الشرك أو الكفر فهي مصلحة باطلة ملغاة شرعا ، لم يجعل الشارع لها اعتبارا ..

نعم قد يكون في الشرك مصالح دنيوية وشهوانية لبعض الناس ، يغطونها بمصلحة الدين ، والدين منها براء ..

فالله قد بعث كافة رسله وأنزل جميع كتبه كما هو معلوم لإبطال الشرك وهدم الكفر .. ومن ثم إخلاص العبادة لله وحده .. وهو سبحانه طيب لا يقبل إلا طيبا .. والمقاصد الشرعية المطهرة ، لا يجوز شرعا أن يتوصل إلى تحقيقها إلا بوسائل شرعية مطهرة صحيحة ، تماما كما لا تزال النجاسة ويتطهر منها بنجاسة أخرى ، وكما لا يستنجى من البول بالبول .. فلسنا ميكافيليين (35) تبرر الغاية عندنا الوسيلة .. حتى نختار ما نشتهي من وسائل ، بل قد سد الله جميع الطرق ، ولم يبق لنا إلا طريقا واحدا موصلا إليه وإلى جنته ومرضاته ونصرة دينه وتحقيق سعادة الدارين ؛ ألا وهو الطريق الشرعي التي بعث بها رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذا من أهم معاني شهادة أن محمدا رسول الله . وقد بين الله ضلال سعي من يستصلحون الكفر ، وخسارة من يستحسنون صنعته ، فقال: (( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا * أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ) )الكهف .

ورحم الله السلف الذين كانوا يسمون مثل هذه الإستصلاحات التي يلصقها أهلها بالدين: ( خديعة إبليس ) ، يطلقون ذلك على من داهن الأمراء وتقرب إليهم في أزمنة الخلافة والفتوحات ..

كما قال سفيان الثوري رحمه الله لبعض من يناصحه: ( إياك والأمراء أن تدنو منهم أو تخالطهم في شيء من الأشياء ، وإياك ويقال لك لتشفع عن مظلوم أوترد مظلمه ، فإن ذلك خديعة إبليس ، وإنما اتخذها فجار القراء سلما … ) أهـ. (36)

فتأمل إبطاله استصلاح واستحسان بعض الفقهاء الدخول على الأمراء والدنو منهم بحجة تخفيف الظلم ودرء الفساد .. !! ويسمي ذلك ( خديعة إبليس ) ، وفي أي وقت يقول ذلك .. في أوائل خلافة بني العباس قبل المعتصم وقبل المأمون ونحوهم ممن أظهروا بدعهم وامتحنوا الناس .. وكانت عزة الخلافة وهيبتها قائمة ، وفتوحات المسلمين وجحافلهم تدك حصون الكفر شرقا وغربا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت