فهرس الكتاب

الصفحة 936 من 1664

فكيف به رحمه الله لو رأى خوالف زماننا الذين لم يتقربوا إلى الطواغيت والمرتدين وحسب .. بل دخلوا في دينهم وأقسموا على احترام دساتيرهم الشركية وشاركوا في تشريع قوانينهم الكفرية وصاروا لهم جندا محضرين وأنصارا مخلصين .. ؟؟

ثم لا يستحيون من أن يلصقوا ذلك الكفر البواح والشرك الصراح كله بالدين .. فيقولون: هي مصلحة الدعوة ونصر الدين !! بل هي مصلحة القروش والكروش .. ورحم الله سفيان إذ يقول: ( إني لألقى الرجل أبغضه ، فيقول لي: كيف أصبحت ؟ فيلين له قلبي ، فكيف بمن أكل ثريدهم ، ووطيء بساطهم ؟؟ ) أهـ من تذكرة الموضوعات ص 25 .

فلا غرابة بعد هذا أن لا يكتفي أصحاب هذه الإستصلاحات الفاسدة الكفرية بالدفع بها عن شركياتهم التي خلطوها بالدين .. فقد تعدوا ذلك ، إلى الدفع والإعتذار بها عن طواغيت الحكم وأنصارهم .. فمن الأعذار المضحكة في هذا الباب ما زعمه نائب ( مشرع ) إخواني ، زارنا في السجن برفقة وزير الداخلية ومساعديه ، وانزعج هو ومن معه لما أبينا السلام عليهم وواجهناهم بكفرهم ، وأظهرنا براءتنا منهم ومن قوانينهم وحكمهم ، ورفضنا - بفضل الله تعالى وتثبيته - أن نتقدم إليهم بأية مطالب ، لما عرضوا ذلك .. وأنكرنا على ذلك النائب ما افتراه علينا في الصحافة من دعوى تكفير الناس ، وبينا له ولمن معه أن ذلك محض افتراء ، فنحن لا نكفر الناس بالعموم ، فليست معركتنا مع عوام الناس ، وإنما مع النظام المحارب لدين الله ، وأننا إنما نكفره ونكفر من نصر قوانينه الكفرية وحرسها أو شارك في تشريعها .. وأننا ندعوهم دوما ليتركوا حراسة القوانين ويصيروا حراسا للشريعة وأنصارا للدين .. إنبرى ذلك النائب يدفع عن تكفير المذكورين بدعوى أنهم ينصرون الدين بمناصبهم هذه ؛ فهم بزعمه يهيئون ويمهدون بمراكزهم ومناصبهم ، لقيام الخلافة التي ستواجه أمريكا - كذا قال - ولم يستحي طرفة عين أن يقول ذلك على مسامعهم - وكان حاضرا يومها أعلى رتب في الأمن العام وأخبثهم وأشدهم حربا للدين - ممن لم يخطر ببال واحد منهم في يوم من الأيام ما زعمه هذا الزاعم وادعاه لهم من الأعذار التي لا يذكرونها هم أبدا ، بل لو تلفظوا بها أو ادعوها فلربما يحاكمون عليها أو يطردون .. ولكن هذا مصداق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من كلام النبوة الأولى: ( إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) (37) أما هو فقد دفع عن نيابته التشريعية الشركية ، مرة بمدح الرسول صلى الله عليه وسلم لحلف الفضول ، ولما قلنا له: إن حلف الفضول الذي مدحه النبي صلى الله عليه وسلم إنما قام على نصرة المظلوم بالقوة المادية ، فالتزم هذا ودع عنك التشريع ، فر وهو يصيح: لا ، العمل المادي لا ، نحن مستضعفون ولا عمل مادي في العهد المكي !! قلت: إذن قد سقط استدلالك فلا تعود إلى هذا الدليل ..!

ولذلك استدل هذه المرة علينا لحظة مغادرته للمكان ؛ بفعل نعيم بن مسعود في غزوة الأحزاب .. فلما سألناه: وهل أقسم نعيم بن مسعود على احترام الدساتير الوضعية ؟ أم هل شرع ، لما خذل الأحزاب عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ، أم هل ارتكب كفرا بواحا أو شركا صراحا كما تفعلون .. ؟ لم يحر جوابا ، وولى مدبرا ..

فصدق سفيان: ( فكيف بمن أكل ثريدهم .. ووطىء بساطهم ) ؟؟

• ثالثًا: أسباب التكفير:

السبب الشرعي عند الأصوليين: ( هو وصف ظاهر منضبط يثبت الحكم به من حيث أن الشارع علقه به ) (38) أو ( هو ما يلزم من وجوده وجود المسبب ومن عدمه عدمه )

أو ( هو جعل وصف ظاهر منضبط مناطا لوجود حكم ، أي يستلزم وجوده ) (39)

وبتعبير آخر هو ما جعله الشارع علامة على مسببه وربط وجود المسبب بوجوده وعدمه بعدمه ، ولهذا قال العلماء ( الحكم يدور مع علته وجودا وعدما )

والعلة والسبب مترادفان عند أكثر أهل الأصول ، قال في ( مراقي السعود) :

ومع علة ترادف السبب ... ... والفرق بعضهم إليه ذهب (40)

ولما كان الإيمان عند أهل السنة والجماعة ذو أركان ثلاثة ؛ هي الاعتقاد والقول والعمل ..

فإن أسباب الكفر تقابل ذلك فهي: إما قول مكفر ، أو فعل مكفر ويدخل فيه (الترك المكفر ) ، أو شك أو اعتقاد مكفر .

-يقول ابن حزم (456هـ) في تعريف الكفر: ( وهو في الدين: صفة من جحد شيئًا مما افترض الله تعالى الإيمان به بعد قيام الحجة عليه ببلوغ الحق إليه ، بقلبه دون لسانه ، أو بلسانه دون قلبه ، أو بهما معًا أو عمل عملًا جاء النص بأنه مخرج له بذلك عن اسم الإيمان ) أهـ الإحكام في أصول الأحكام (1/45)

-ويقول تاج الدين السبكي (771هـ) : ( التكفير حكم شرعي سببه جحد الربوبية أو الوحدانية أو الرسالة ، أو قول أو فعل حكم الشارع بأنه كفر وإن لم يكن جاحدًا ) أهـ فتاوى السبكي (2/586) .

-ويقول الشربيني الشافعي (977هـ) في (مغني المحتاج) : ( الردة هي قطع الإسلام بنية ، أو قول ، أو فعل ، سواء قاله استهزاءا ، أو عنادًا ، او اعتقادا ) أهـ (4/133) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت