فهرس الكتاب

الصفحة 937 من 1664

-ويقول منصور البهوتي الحنبلي ( 1051هـ) : ( المرتد لغة: هو الراجع ، قال تعالى:(( ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ) ) [المائدة: 21 ] . وشرعًا: الذي يكفر بعد إسلامه ، نطقًا أو اعتقادًا ، أو شكًا ،أو فعلًا . ) أهـ . (كشاف القناع عن متن الاقناع ) (6/136)

وأقاويل العلماء في بيان ذلك كثيرة ..

وفيها أن أسباب الكفر أو الردة كما قدمنا هي: إما قول مكفر ، أو فعل مكفر ، أو اعتقاد أو شك مكفر ..

وهذه أسباب الكفر عمومًا ..

أما أسباب التكفير ، التي تعمل في أحكام الدنيا فتنحصر في: الفعل أو القول المكفر فقط ، وقد ذكرنا الأدلة على أن من الأعمال والأقوال ما هو كفر مجرد مخرج من الملة ، دون شرط ارتباط ذلك باعتقاد فاسد أو جحد أو استحلال في كتابنا (إمتاع النظر في كشف شبهات مرجئة العصر ) وأطلنا فيه النفس هناك ، فراجعه فإن ذلك محله .

وقد حصرت الشريعة أسباب التكفير في الدنيا بذلك وحده ..

لأن الاعتقاد والشك أسباب غير ظاهرة ولا منضبطة في أحكام الدنيا ، لذلك لم يعلق به الشارع أحكام الدنيا أو يجعلها أسبابًا للتكفير فيها ، وإنما جعل ذلك للذي يعلم السر وأخفى ، فهي لأجل ذلك أسباب للكفر أخروية ، لا علاقة لأحكام الدنيا بها .. ولذلك كان من أبطن الكفر ولم يظهره ، بل أظهر شرائع الإسلام منافقًا يعامل في أحكام الدنيا معاملة المسلمين ، أما في أحكام الآخرة ، فيحاسبه الله على ما أبطن من أسباب الكفر فيكون مصيره الدرك الأسفل من النار ..

وقد تقدم قول شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول ص177-178: ( وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر ، كفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافرًا ، إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله ) أهـ .

فحصر أسباب الكفر بالقول والفعل المكفر - لأن ذلك هو المعتبر في الدنيا ، ولم يتعرض للأسباب الباطنة الخفية لأنها لا دخل لها في أحكام الدنيا .. وانظر قريبا منه في الصارم ص (370)

وتقدم الكلام على قوله ( وإن لم يقصد أن يكون كافرًا ) ، وذلك لأن الشارع ربط الأسباب مع مسبباتها (فإذا وجد السبب وتوافرت الشروط وانتفت موانعه ترتب عليه مسببه حتمًا )

( لأن المسبب لا يتخلف عن سببه شرعًا ، سواء أقصد من باشر السبب ترتب المسبب عليه أم لم يقصده ، بل يترتب ولو قصد عدم ترتبه ) (41) ، ( فليس للمكلف أن يحل الإرتباط الذي ربط به الشارع المسببات بأسبابها ) ولا يقدر عليه أصلًا ، ولو تمنى على الله الأماني ..

وعلى هذا فإذا ارتكب المكلف سببًا من أسباب الكفر الظاهرة ، قول أو فعل مكفر ، وتوفرت الشروط وانتفت موانعه ،كفر، وإن زعم أنه لم يرد بذلك الكفر والخروج من الدين .. فهذا لا يقصد إليه أحد إلا ما شاء الله ، وحتى النصارى ، لو قيل لهم ، هل تريدون الكفر بقولكم إن المسيح ابن الله .؟ لنفوا ذلك وأنكروه .

• تنبيه حول أسباب التكفير:

اعلم أنه إذا ما ارتكب المكلف سببًا من أسباب الكفر الظاهرة ، وانتفت في حقه موانع التكفير ، كفر ، ولا يلزم أن يجمع أكثر من سبب كي يكفر ، بل تعدد أسباب الكفر أو علله يغلظ الكفر ويزيده ، فالكفر دركات كما أن الإيمان درجات .. وانظر في هذا (فصل مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتها) من كتاب (طريق الهجرتين ) لابن القيم، ويدل عليه قوله تعالى: (( إنما النسيء زيادة في الكفر ) )، والنسيء سبب زائد من أسباب الكفر أضافه مشركوا قريش إلى كفرياتهم الأخرى ، وقال تبارك وتعالى أيضًا (( الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا ) ) [التوبة: 93 ]

ففيه أن بعض الكفر أشد من بعض ، وهذا ظاهر ، فمن جمع بين عدد من أسباب الكفر فارتد بترك الإقرار بالشهادتين وترك الصلاة ، وضم إلى هذا الطعن في دين الله وشتم رسوله صلى الله عليه وسلم والتأليب عليه والسعي في حربه كعبد الله بن سعد بن سرح وعبد الله بن خطل ونحوهم ، ممن عددهم وذكر أخبارهم شيخ الإسلام في الصارم المسلول ، لا شك أن ردتهم أشد وأغلظ ممن كفرهم الله تعالى بسبب واحد من أسباب الكفر كالذين استهزءوا بالقراء في غزوة تبوك ، وكالذين ارتدوا بالامتناع عن الزكاة وحدها دون أن يمتنعوا عن الصلاة أو سائر أركان الإسلام ومبانيه ..

والخلاصة أن تعليل حكم الكفر بأكثر من علة أو سبب ليس بشرط للتكفير، وإنما يزيد ذلك حكم التكفير تأكيدًا فيكون الكفر فيه أشد وأغلظ ..

كما قد يعلل التحريم أحيانًا بعلتين لتأكيد تحريمه ، كما في تحريم نكاح الربيبة (42) ، إذا كانت محرمة بالرضاع إضافة إلى كونها ربيبة ، واستدل العلماء لذلك بحديث أم حبيبة في الصحيحين أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إننا نتحدث أنك ناكح درة بنت أم سلمة ، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت لي ، لأنها بنت أخي من الرضاعة ، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة مولاة أبي لهب ) .

وقد كان الإمام احمد يقول في بعض ما يغلظ تحريمه: ( هذا كلحم خنزير ميت ) يقول ذلك لتغليظ التحريم وتقويته ، ومثل تأكيد قتل من قتل وارتد وزنى وكان محصنًا .. وهكذا (43)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت