فهرس الكتاب

الصفحة 943 من 1664

• وفي المقابل لما ادعى الأسود العنسي النبوة في اليمن وارتد قوم من أهلها واتبعوه حتى غلب على صنعاء - وذلك في آخر أيام النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا - فقتل الأسود واليها شهر بن باذان الذي كان قد أقره النبي صلى الله عليه وسلم عليها ، وفر بعض عمال النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لما استشرى أمر العنسي ، وارتد خلق معه (وعامله المسلمون هناك بالتقية ) (4) فلم يكفروا ببقائهم في دار الردة وعدم فرارهم، بل كان منهم فيروز الديلمي وأصحابه الذين ثبتوا واحتالوا حتى قتلوا الأسود العنسي وعادت الغلبة في اليمن للمسلمين ..

فهاهي صنعاء صارت دار كفر بغلبة المرتدين والكفار عليها بعد أن كانت دار إسلام أي أنها صارت دار ردة ، وبقيت تحت غلبة الأسود الذي ادعى النبوة لمدة أربعة أشهر أو قريبًا منها .. ولم يمنع ذلك من وجود مسلمين صالحين فيها ، يأخذون بالتقية ، ويعملون لإعادة الغلبة للمسلمين ، حتى تمكنوا في آخر أمرهم من قتل الأسود وإعادة اليمن إلى حكم المسلمين ، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك (5) ، ولا قال أنهم كفروا ببقائهم في صنعاء وعدم فرارهم إذ صارت دار كفر بتغلب الكفار عليهم .. وهذا مع وجود دار الإسلام وجماعة المسلمين .

• وأيضا بعد ذلك لما سقطت مصر ، بأيدي العبيديين الكفرة من بني عبيد القداح واستولوا عليها وتغلبوا على الحكم فيها صارت دار كفر وردة بعد أن كنت دار إسلام وجمهور أهلها من المسلمين ، فبقيت تحت حكم العبيديين نحو مائتي سنة أظهروا فيها رفضهم وكفرهم وزندقتهم ، حتى ألّف ابن الجوزي كتابه ( النصر على مصر ) .. ومع ذلك لم يقل أحد من العلماء المحققين أن حكم الكفر هذا الذي أطلق على الدار وعلى المتغلبين عليها ، قد شمل أهلها المستضعفين ..

بل قد كان فيهم علماء وفقهاء وصالحون كثير ، فمنهم من كان مستخفيا ولا يقدر على إظهار عقيدته في بني عبيد ، بل ولا حتى التحديث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يقتل ( كما حكى إبراهيم بن سعيد الحبال صاحب عبد الغني بن سعيد أنه امتنع من رواية الحديث خوفا أن يقتلوه ) (6)

ومع هذا فعموم المسلمين كانوا يضمرون بغض بني عبيد ، والبراءة منهم ، وربما أظهر ذلك بعضهم بطريقة لا يناله فيها بطشهم ، كما ذكر السيوطي في مقدمة تاريخ الخلفاء عن ابن خلكان أنه قال في العبيديين:( وقد كانوا يدعون علم المغيبات ، وأخبارهم في ذلك مشهورة ، حتى إن العزيز صعد يوما المنبر فرأى ورقة مكتوب فيها:

بالظلم والجور قد رضينا ... ... وليس بالكفر والحماقة

إن كنت أعطيت علم الغيب ... ... بين لنا كاتب البطاقة.

وكتبت إليه امرأة قُصة فيها: بالذي أعز اليهود بميشا ، والنصارى بابن نسطور ، وأذل المسلمين بك ، إلا نظرت في أمري )أهـ (7) .

فمَنْ من العلماء المحققين ، لا من الفشارين المتهورين .. قال بتكفير هؤلاء لمجرد إقامتهم في دار الكفر ما داموا لم يظهروا سببا من أسباب الكفر ؟؟ هذا مع وجود در إسلام يهاجر إليها في ذلك الوقت ، فكيف مع عدمها في زماننا ؟؟

وقد كان العبيديون شرا على ملة الإسلام من التتر كما ذكر الذهبي ، فمنهم من كان يظهر سب الأنبياء .. أما سب الصحابة فحدث ولا حرج - فقد ذكر السيوطي عن أبي الحسن القابسي: ( أن الذين قتلهم عبيد الله وبنوه من العلماء والعباد أربعة آلاف رجل ليردوهم عن الترضي عن الصحابة فاختاروا الموت ، قال: فيا حبذا لو كان رافضيا فقط ، ولكنه زنديق ) تاريخ الخلفاء ص 13 .

فأنت ترى أنه كان في مصر آنذاك فقهاء ، كما قدمنا أيضا في كلام أبي محمد القيرواني الكيزاني قوله: ( إنما أقام من أقام من الفقهاء على المباينة لهم لئلا تخلوا للمسلمين حدودهم فيفتنوهم عن دينهم ) أهـ .

فكان منهم من يستخفي ومنهم من يظهر دينه فيقتل .. كما قال القاضي أبو بكر الباقلاني: ( كان المهدي عبيد الله باطنيا خبيثا حريصا على إزالة ملة الإسلام ، أعدم العلماء والفقهاء ليتمكن من إغواء الخلق ) أهـ . تاريخ الخلفاء ص 12 .

وممن واجههم بكفرهم من العلماء الشهيد - نحسبه كذلك - أبو بكر النابلسي الذي أحضره المعز: ( فقال له: بلغني عنك أنك قلت: لو أن معي عشرة أسهم لرميت الروم بتسعة ورميت المصريين بسهم ، فقال ما قلت هذا ، فظن أنه رجع عن قوله ، فقال كيف قلت ؟ قال: قلت: ينبغي أن نرميكم بتسعة ثم نرميهم بالعاشر . قال: ولم ؟ قال:( لأنكم غيرتم دين الأمة وقتلتم الصالحين وأطفأتم نور الإلهية ، وادعيتم ما ليس لكم ) فشهره ثم ضربه بالسياط ثم جاء بيهودي فأمره بسلخه فجعل يسلخه وهو يقرأ القرآن ، قال اليهودي: فأخذتني رقة عليه ، فلما بلغت تلقاء قلبه طعنته بالسكين فمات ..) البداية والنهاية ( 11/284) مختصرا وانظر سير أعلام النبلاء (16/148) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت