فهرس الكتاب
والشاهد من هذا كله أن أحوال المسلمين تحت حكم المتغلبين الكفار في كل زمان تغلبوا فيه على بعض ديار الإسلام ، كانت تتفاوت بين مستضعف مستخف أو آخذ بالتقية أو مجاهد قائم بدين الله تبارك وتعالى ، ولم يكن العلماء يطلقون الكفر على أحد من هؤلاء ما داموا لم يتلبسوا بشيء من نواقض الإسلام وأسباب الكفر الظاهرة، وإنما كفروا من نصر الكفار أو المرتدين أو أظهر موالاتهم أو صار من أهل دولتهم وحكمهم الكفري كما نقل ابن كثير في البداية والنهاية ( 11/284) عن القاضي الباقلاني قوله في العبيديين: ( إن مذهبهم الكفر المحض واعتقادهم الرفض وكذلك أهل دولته من أطاعه ونصره ووالاه قبحهم الله وإياه ) أهـ.
..و الأمثلة من جنس هذا في التاريخ كثيرة …
والشاهد منه أن الأصل في كل منتسب للإسلام أو مظهر لخصائصه ؛ الإسلام ، ما لم يظهر سببا من أسباب الكفر ، والأصل فيه أنه معصوم الدم والمال والعرض حيث كان ..
-وقد قال تبارك وتعالى: (( ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم ) ).
فسماهم مؤمنين مع أنهم كانوا في مكة حين كانت دار كفر ، ورغم أنهم كانوا مستخفين لا يعلمهم المؤمنون.
قال في روضة الطالبين (10/282) : ( فرع: المسلم إن كان ضعيفا في دار الكفر لا يقدر على إظهار الدين ، حرم عليه الإقامة هناك ، وتجب عليه الهجرة إلى دار الإسلام ، فإن لم يقدر على الهجرة ، فهو معذور إلى أن يقدر ، فإن فتح البلد قبل أن يهاجر سقط عنه الهجرة ، وإن كان يقدر على إظهار الدين ، لكونه مطاعا في قومه ، أو لأن له هناك عشيرة يحمونه ، ولم يخف فتنة في دينه ، لم تجب الهجرة ، لكن يستحب لئلا يكثر سوادهم ، أو يميل إليهم ، أو يكيدوا له ، وقيل ؛ تجب الهجرة ، حكاه الإمام ، والصحيح الأول ) أهـ.
وقال الماوردي: ( فإن صار له بها - أي دار الكفر - أهل وعشيرة وأمكنه إظهار دينه لم يجز له أن يهاجر لأن المكان الذي هو فيه قد صار دار إسلام )
قال رشيد رضا تعليقا على ذلك: ( هذا قول باطل لأن مجرد إظهار الرجل لدينه لا يجعل الدار دار إسلام والأحكام فيها غير إسلامية ، فإن جميع بلاد أوروبة لا يعارض أحد فيها إذا أظهر دينه أو دعا إليه حتى في حال محاربتهم للمسلمين ولأن الهجرة من دار إسلام إلى أخرى جائزة بالإجماع ، ولو قال لا تجب عليه الهجرة في تلك الحالة لكان قريبا ، ولعل هذا هو الأصل ، ووقع الغلط في النقل . ) أهـ من شرح الأربعين النووية ، ص13 ضمن ( مجموعة الحديث النجدية )
-وقال سبحانه وتعالى في تفاصيل قتل المؤمن خطأ: (( وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة .. ) )
فسماه تبارك وتعالى مؤمنا ، وجعل في قتله خطأ كفارة ؛ مع انه مقيم مع أعدائنا في دار الحرب ، على قول طائفة من السلف والفقهاء والمفسرين كما في تفسير ابن جرير وغيره .. وانظر روضة الطالبين ( 9/381) .
وقال الشوكاني في فتح القدير (1/498) : ( و هذه مسألة المؤمن الذي يقتله المسلمون في بلاد الكفار الذين كان منهم ثم أسلم ولم يهاجر وهم يظنون أنه لم يسلم وأنه باق على دين قومه ، فلا دية على قاتله ، بل عليه تحرير رقبة مؤمنة ، واختلفوا في وجه سقوط الدية، فقيل وجهه أن أولياء القتيل كفار لا حق لهم في الدية ، وقيل وجهه أن هذا الذي آمن حرمته قليلة .. لقول الله تبارك وتعالى:(( والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير ) )..) أهـ .
وتأمل وصف الله لهم بالذين آمنوا مع أنهم لم يهاجروا من دار الكفر في ظل وجود دار إسلام كانت الهجرة واجبة إليها .
وقد ذكر الشوكاني بعد ذلك أن بعض أهل العلم أوجب ديته ولكن لبيت المال، ويستأنس لهذا القول ، ولما نحن بصدده أيضا بما رواه أبو داود (2642) والترمذي من حديث جرير بن عبد الله قال: ( بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى خثعم ، فاعتصم ناس منهم بالسجود فأسرع فيهم القتل، قال فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر لهم بنصف العقل، وقال أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين ، قالوا: يا رسول الله لم ؟ قال: لا ترايا { تراءى} ناراهما )
وقد أعلّ الحديث بالإرسال حيث لم يذكر جرير في رواية جماعة ، لكن صححه بعض العلماء بمجموع طرقه .
وقد ذكر الخطابي وبعض أهل العلم أنه صلى الله عليه وسلم إنما أمر لهم بنصف العقل بعد علمه بإسلامهم ، لأنهم قد أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين ظهراني الكفار ، فكانوا كمن هلك بجناية نفسه وجناية غيره ، فسقط بذلك حصة جنايته فلم يكن له إلا نصف العقل ( أنظر عون المعبود ) (7/218)