فهرس الكتاب

الصفحة 945 من 1664

وهذا كله من الدلائل على أن مثل هذا لا يكفر رغم تقصيره في الهجرة ، وعصيانه بالمقام بين ظهراني المشركين ، وليس أظهر في الدلالة على ذلك تسمية رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالمسلم وعدم رفع هذه الصفة عنه ، ولا يعكر على ذلك براءة النبي صلى الله عليه وسلم منه وكون البراءة الكلية لا تكون إلا من الكافر لان المراد بالبراءة هنا براءة الذمة من عقله كاملا (8) ، كما قد فسر في الحديث نفسه ، ومن ذلك أيضا قصور حقه في النصرة لتقصيره في الهجرة ، فهذه قرائن صارفة للبراءة المكفرة ، إلى براءة من نوع ثان فسرتها السنة وذكرها الله تعالى في قوله: (( والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير ) ).

اللهم إلا أن يضم إلى إقامته في دار الكفر وتقصيره بالهجرة الواجبة إلى دار الإسلام ؛ مظاهرته للمشركين ومحاربته للمسلمين ، فحينئذ تكون البراءة منه براءة كلية مكفرة ..

قال ابن حزم بعد أن ذكر الحديث أعلاه: ( وهو عليه السلام لا يبرأ إلا من كافر . قال تبارك وتعالى(( المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) )، ثم قال ؛ ( فصح بهذا أن من لحق بدار الكفر والحرب مختارا محاربا لمن يليه من المسلمين فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها من وجوب القتل عليه متى قدرعليه ، ومن اباحة ماله ، وانفساخ نكاحه وغير ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبرأ من مسلم ، وأما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه ، ولم يحارب المسلمين ، ولا أعان عليهم ، ولم يجد في المسلمين من يجيره فهذا لا شيء عليه لأنه مضطر مكره ) . أهـ المحلى ( 13/138-139)

وهو صريح في أن اللحوق بدار الكفر إنما يكون كفرا ، إذا ما انضاف إليه محاربة المسلمين وإعانة الكفار ومظاهرتهم عليهم ، فهو يتنزل على أنصار الشرك المحاربين للدين أو من ظاهر المشركين والكافرين على الموحدين لا على عموم المقيمين في دار الكفر .

ثم قال ابن حزم:( وقد ذكرنا أن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب كان عازما على أنه إن مات هشام بن عبد الملك لحق بأرض الروم لأن الوليد بن يزيد كان نذر دمه إن قدر عليه ، وهو كان الوالي بعد هشام فمن كان هكذا فهو معذور .

وكذلك من سكن بأرض الهند والسند والصين والترك والسودان والروم من المسلمين ، فإن كان لا يقدر على الخروج من هنالك لثقل ظهر أو لقلة مال أو لضعف جسم أو لامتناع طريق فهو معذور .

فإن كان هنالك محاربا للمسلمين معينا للكفار بخدمة أو كتابة فهو كافر.)أهـ

وإياك أن تفهم من قوله: (معينا للكفار بخدمة أو كتابة فهو كافر ) ، التكفير بمجرد إعانة الكفار بمطلق الخدمة أو الكتابة ، كما يطلقه بعض الغلاة ، فقد رأيت كيف ربط ابن حزم هذه الإعانة بحرب المسلمين ، فهذا هو الكفر ، أعني حرب المسلمين ومظاهرة الكفار ونصرتهم عليهم في حربهم ولو بالكتابة ونحوها ، لا مطلق خدمتهم والكتابة لهم ، فهذا فيه تفصيل سيأتي في تفصيل العمل عند الكفار .

ثم قال رحمه الله: (وإن كان إنما يقيم هنالك لدنيا يصيبها وهو كالذمي لهم وهو قادر على اللحاق بجمهرة المسلمين وأرضهم فما يبعد عن الكفر وما نرى له عذرا ونسأل الله العافية .

وليس كذلك من سكن في طاعة أهل الكفر من الغالية ومن جرى مجراهم لأن أرض مصر والقيروان ( يشير إلى العبيديين ) وغيرهما فالإسلام هو الظاهر وولاتهم على كل ذلك لا يجاهرون بالبراءة من الإسلام بل إلى الإسلام ينتمون وإن كانوا في حقيقة أمرهم كفارا .

وأما من سكن في أرض القرامطة مختارا فكافر بلا شك لأنهم معلنون بالكفر وترك الإسلام ونعوذ بالله من ذلك .

وأما من سكن في بلد تظهر فيه بعض الأهواء المخرجة إلى الكفر ، فهو ليس بكافر لأن اسم الإسلام هو الظاهر هنالك على كل حال من التوحيد والإقرار برسالة محمد صلى الله عليه وسلم والبراءة من كل دين غير الإسلام وإقامة الصلاة وصيام رمضان وسائر الشرائع التي هي الإسلام والإيمان ، والحمد لله رب العالمين . ) أهـ .

ومعلوم أن هذا كله في ظل وجود دار إسلام ..

وتأمل اعتبار ابن حزم لظهور شرائع الإسلام وخصائصه العظام كتوحيد الله والإقرار بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإظهار الصلاة وصيام رمضان وانتساب الولاة للإسلام وعدم براءتهم منه - رغم كفرهم ؛ تأمل اعتباره لذلك في تسويغ إقامة المسلم - أو على الأقل عدم تكفيره - لإقامته في دار كفر هكذا وصفها وهكذا حال ولاتها .. ولا يماحك في شبه هذا لحال بلاد المسلمين اليوم إلا مكابر .

وكذا الحديث المذكور في براءة النبي صلى الله عليه وسلم ممن أقام بين ظهراني المشركين ؛ فقد قيل في ظل وجود دار إسلام ، بل قد قيل في وقت كانت الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم واجبة قبل فتح مكة، ومع هذا لم يكفر أمثال هؤلاء بمجرد إقامتهم بين المشركين ، وإن أثموا وعوقبوا بنقصان حرمتهم ، وضعف وقصور ولايتهم ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت