فهرس الكتاب

الصفحة 946 من 1664

فإذا ما عدمت دار الإسلام التي يهاجر المسلم إليها فإنه بإقامته بدار الكفر معذور إذا ما اتقى الله واجتنب الشرك ، وإعانة أهله على المسلمين ، إذ لا سبيل إلى دار إسلام يهاجر إليها حتى يأثم بتقصيره في ذلك ، فضلا عن أن يكفر !! .

فكيف إذا كانت إقامته في دار الكفر والحالة كذلك ، لأجل نصرة دين الله وإظهار التوحيد ومقارعة الشرك والتنديد ؟ لا شك أن مثل هذا المسلم محسن مأجور قائم بدين الله تبارك وتعالى ..

وفي الحديث المتواتر المروي عن بضع عشر صحابيا بألفاظ متقاربة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على أمر الله لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله ) .

ومثله الحديث الآخر: ( الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم ) وهو في صحيح البخاري ..

فهذان الحديثان يدلان على وجود المسلمين الصادقين والمجاهدين إلى يوم القيامة ، واستمرار وجودهم في كل الظروف ، في ظل وجود دار الإسلام وفي حال عدمها ..

بل قد قرر العلماء وجوب إقامة المسلم في دار الكفر ، إذا أمكنه السعي في تحويلها إلى دار إسلام ؛ كما جاء في ( مغني المحتاج ) للشربيني (4/239) : ( ولو قدر على الامتناع بدار حرب والاعتزال وجب عليه المقام بها ، لأن موضعه دار إسلام ، فلو هاجر لصار دار حرب ، فيحرم ذلك، نعم إن رجا نصرة المسلمين بهجرته ، فالأفضل أن يهاجر ، قاله الماوردي - وقد تقدم - ثم في إقامته يقاتلهم على الإسلام ، ويدعوهم إليه إن قدر.. وإلا فلا ) أهـ .

ونقل في روضة الطالبين (10/282) عن صاحب ( الحاوي ) قوله: ( فإن كان يرجو ظهور الإسلام هناك بمقامه ، فالأفضل أن يقيم ، قال: وإن قدر على الامتناع في دار الحرب والاعتزال ، وجب عليه المقام به ، لأن موضعه دار إسلام ، فلو هاجر لصار دار حرب ، فيحرم ذلك ، ثم إن قدر على قتال الكفار ودعائهم إلى الإسلام لزمه ، وإلا فلا ، والله أعلم .) أهـ

فتأمل إيجابهم المقام بدار الكفر في مثل هذه الحال ، فأين المتنطع المكفر بذلك ، من هذا ! ؟.

وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: ( وفيه - أي حديث الخيل - بشرى ببقاء الإسلام وأهله إلى يوم القيامة ، لأن من لازم بقاء الجهاد بقاء المجاهدين وهم المسلمون ، وهو مثل الحديث الآخر( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ) أهـ . من كتاب الجهاد والسير ( باب الجهاد ماض مع البر والفاجر )

وقريب من هذا المعنى حديث حذيفة المتفق عليه: ( فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ) ؟ قال صلى الله عليه وسلم: ( فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ) .

ففيه أنه لا أثر لغياب جماعة المسلمين أو إمامهم- وهذه مقومات دار الإسلام - ولا علاقة لذلك في إسلام المرء أو كفره ، وإنما المناط الذي يتعلق ذلك به هو إظهاره لسبب من أسباب الكفر ..

فهذا كله يدل على أن المسلم إذا كان في دار الكفر ولم يهاجر منها إلى دار الإسلام لعجز أو مانع منعه أو لتمكنه من إظهار دينه فيها ، أو لقيامه بالجهاد ونصرة الدين .. فهو مسلم معصوم الدم والمال ..

فمن باب أولى أن يبقى المسلم كذلك في حال عدم وجود دار إسلام يهاجر إليها أصلا ..

فإن الله تبارك وتعالى لم ينط أحكام التكفير بأمور قاهرة لا كسب للعباد فيها .. وإنما أناطها سبحانه وتعالى بأسباب ظاهرة منضبطة - كما تقدم - تنحصر بقول او فعل مكفر من كسب المكلف .. وما لم يظهر المرء شيئا من ذلك ، فلا سبيل إلى تكفيره ، بأمور خارجة عن إرادته ما دام عنده أصل الإسلام ..

والخلاصة ان مصطلح دار الكفر لا اثر له في الحكم على قاطني الدار ، خصوصا في وقت قد أمست الأرض كلها فيه دار كفر إما أصلية ، أو طارئة لغلبة الكفار وأحكامهم على جميع البلاد ..

ويتأكد ذلك إذا كانت الدار الموصوفة بهذا المصطلح دار كفر طارئ ، أي أنها كانت قبل ذلك دار إسلام ولا زال جمهور أهلها ينتسبون للإسلام ، وهذا أمر غفل أو تغافل عنه كثير من المتحمسين ، فلم يفرقوا بين دار الكفر الأصلية التي يغلب الفقهاء حكمها في حكمهم بالتبعية في بعض المسائل ، وبين دار الكفر الحادثة ، أي التي كانت للمسلمين فغلب عليها الكفار ، فإن الفقهاء يؤصلون فيها لمجهول الحال الذي لا سبيل إلى معرفة حاله - كالميت واللقيط والمجنون - بالإسلام والعصمة ، احتياطا لحرمة المسلمين وعصمة لدمائهم ولو لم يبق فيها إلا مسلم واحد ، لان الإسلام يعلو ولا يعلى ، بل أصّل بعضهم بالإسلام لمثل ذلك ولو لم يظهر فيها مسلم لاحتمال أن يكون فيها مؤمن يكتم إيمانه . (9)

نقل النووي عن الرافعي في روضة الطالبين قوله في سياق كلامه عن اللقيط يوجد في الدار والحكم له بالتبعية ، أن دار الإسلام ثلاثة أضرب:

أحدها: دار يسكنها المسلمون ' فاللقيط الموجود فيها مسلم ، وإن كان فيها أهل ذمة ، تغليبا للإسلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت