فهرس الكتاب
الثاني: دار فتحها المسلمون وأقروها في يد الكفار بجزية ، فقد ملكوها ، أو صالحوهم ولم يملكوها ، فاللقيط فيها مسلم إن كان فيها مسلم واحد فأكثر ، وإلا فكافر على الصحيح ، وقيل مسلم لاحتمال أنه ولد مَنْ يكتم إسلامه منهم .
الثالث: دار كان المسلمون يسكنونها ثم جلوا عنها وغلب عليها الكفار ، فإن لم يكن فيها من يعرف بالإسلام ، فهو كافر على الصحيح ، وقال أبو اسحاق: مسلم ،لاحتمال أن فيها كاتم إسلامه ، ,إن كان فيها معروف بالإسلام فهو مسلم ..
هذا في أحوال دار الإسلام ، أما في دار الكفر الأصلية فقال: ( دار الكفر ، فإن لم يكن فيها مسلم ، فاللقيط الموجود فيها محكوم بكفره ، وإن كان فيها تجار مسلمون ساكنون ، فهل يحكم بكفره تبعا للدار ، أو بإسلامه تغليبا للإسلام ؟ وجهان ، أصحهما: الثاني . )
فتأمل احتياط العلماء وتغليبهم للإسلام عند الإشكال حتى في دار الكفر الأصلية ، احتراما لحرمة المسلمين ، واحتياطا في عصمة دمائهم ؛ فمن باب أولى في دار الكفر الطارئة التي ينتسب جمهور أهلها للإسلام .
وعلى كل حال فما دام هذا المصطلح إنما أطلقه الفقهاء للدلالة على أن الغلبة والهيمنة في الدار للكفار وأحكامهم ، فلا يصح والحال كذلك تأصيل قاعدة (الأصل في الناس الكفر) على هذا المصطلح خصوصا في دار الكفر الطارئة التي ينتسب جمهور أهلها للإسلام ويظهرون خصائصه ..
إذ ما دام المصطلح غير مناط ولا معلق بقاطني الديار ونوع ديانتهم ، فكيف يصح التأصيل لديانتهم عليه .. فالتأصيل معناه ؛ استصحاب حكم الأصل .. فلو كان هذا الاصطلاح مرتبط بديانة جمهور أهل الدار لصار للتأصيل مدخل .. ولذلك فإن الفقهاء إذا تكلموا في دار الإسلام التي يلزم فيها أهل الكتاب بالغيار ولا يقر فيها المرتد بحال - أو إذا تكلموا في دار الكفر الأصلية التي لم يدخلها الإسلام ولا كان جمهور أهلها مسلمين .. تراهم يستعملون التبعية للدار في بعض المجالات الضيقة حيث يعدم الظاهر والسيما ، ويتعذر تبين حال الإنسان ، كاللقيط أو المجنون أو الميت الذي لايبين عن نفسه - يوجد في أحد الدارين ولا يعرفه أحد ولا علامة مميزة تدل على دينه .. فألحقوهم بالدار في مثل هذه الأحوال .. أي أنهم اعتبروا في هذا واستصحبوا فيه ديانة أهل الدار ، لا مجرد الاصطلاح التابع للغلبة والحكم فقط كما يفعله أولئك الغلاة وفي دار الكفر الطارئة..
وعلى كل حال فموضوع الحكم بالتبعية الذي تعرض له الفقهاء لا دخل له بما نحن في صدد رده ، فليس هو فيمن أظهر شيئا من علامات الإسلام وخصائصه ومع هذا يكفر ؛ كما يكفره من يكفره من الغلاة طبقا لهذه القاعدة .. بل ينحصر ذلك في مجهول الحال الذي يتعذر تبين حاله لانعدام السيما ولصغره أو موته أو ذهاب عقله ، وليس هناك من يدعيه من والد أو أولياء ليلحق بهم.. ولذلك فقد نص الفقهاء على أنه متى ظهرت عليه علامة تدل على دينه أو ادعاه أحد ما .. قدم هذا الظاهر على ذلك الاستصحاب .. ولذلك قدموا التبعية للوالدين على التبعية للدار (10) .
وذلك لان الاستصحاب كما قد قرر علماء الأصول أضعف الأدلة ولا يصار إليه إلا عند التعذر عن إثبات ظاهر ..
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الظاهر يقدم على الاستصحاب وعلى هذا عامة أمور الشرع ) .
وقال في الموضع نفسه: ( التمسك بمجرد استصحاب حال العدم أضعف الأدلة مطلقا ، وأدنى دليل يرجح عليه .. ) إلى قوله: ( ولا يجوز الإخبار بانتفاء الأشياء وعدم وجودها بمجرد هذا الاستصحاب من غير استدلال بما يقتضي عدمها ، ومن فعل ذلك كان كاذبا ، متكلما بلا علم .. )
(فعدم علمه ليس علما بالعدم ) .. ( وما دل على الإثبات من أنواع الأدلة فهو راجح على مجرد استصحاب النفي ) أهـ مختصرا من مجموع الفتاوى (23/ص13) .
وقال أيضا: (فقد اجمع المسلمون ، وعلم بالاضطرار من دين الإسلام ، أنه لا يجوز لأحد ان يعتقد ويفتي بموجب هذا الاستصحاب والنفي إلا بعد البحث عن الأدلة الخاصة ، إذا كان من أهل ذلك ، فإن جميع ما أوجبه الله ورسوله وحرمه الله ورسوله مغير لهذا الاستصحاب ، فلا يوثق به إلا بعد النظر في أدلة الشرع لمن أهل لذلك ) أهـ . مجموع الفتاوى (29/90)
وقال ابن القيم: (شهادة العدل رجلا كان أو امرأة أقوى من استصحاب الحال ، فإن استصحاب الحال من أضعف البينات ، ولهذا يدفع بالنكول تارة وباليمين المردودة وبالشاهد واليمين ، ودلالة الحال ) أهـ اعلام الموقعين (1/96)
تأمل هذا .. مع أن الفقهاء إنما استعملوا ذلك الاستصحاب أو التأصيل في المجال الضيق الذي عرفته حيث يعدم تمييز القرائن ومعرفة الظاهر .. ومع هذا ، فتأصيلهم واستصحابهم ضعيف ، يغيره أدنى دليل أو سيما أو ظاهر أو شهادة أو نحوها ..
فكيف بتلك القاعدة وذلك التأصيل الذي أطلقه أولئك الغلاة المتهورون في عموم أهل الإسلام ، ولم يعتبروا فيها ما يظهره الصالحون منهم أو المجاهدون أو المستضعفون من شعائر الإسلام وخصائصه ..؟؟