ـ أولهما: أن يكون السفر قصيرًا ، فمذهب الحنفية جوازه من غير اشتراط محرم ـ كما في:"بدائع الصنائع" (2/124) ، و"حاشية ابن عابدين" (2/464،465) ـ ، خلافًا للجمهور فلا فرق بين سفر طويل وقصير عندهم ، وهو مذهب المالكية ـ كما في:"إرشاد السالك" (1/165) ، ومذهب الشافعية ـ كما في:"المجموع" (7/69ـ70) و"الإيضاح مع حاشية الهيتمي" (ص/102) ـ ، ومذهب الحنابلة ـ كما في:"الإنصاف" (3/410،411) ـ والخلاف فيه مشهور. قال العكبري رحمه الله في:"رؤوس المسائل الخلافية" (2/591) :"يعتبر المحرم في سفر المرأة الطويل والقصير . خلافًا لأبي حنيفة في قوله: (يُعْتَبر في الطويل) ". إلا أنه اختُلِف في تحديد السفر الطويل ، فمذهب الحنفية ثلاثة أيام فصاعدًا ـ كما في:"حاشية ابن عابدين" (2/464) ـ ، وبه قال جماعة . قال ابن الملقن في:"الإعلام" (6/80،81) :"واشترط أبو حنيفة (المحرم) لوجوب الحج عليها ، إلا أن يكون بينها وبين مكة دون ثلاثة مراحل ـ أي: أيام ، ووافقه جماعة من أصحاب الحديث والرأي . وحُكِي أيضًا عن الحسن البصري والنخعي والشعبي والحسن بن حُيَي … وقال سفيان: إن كانت من مكة على أقل من ثلاث ليال فلها أن تحج مع غير ذي حرم أو زوج ، وإن كانت على ثلاث فصاعدًا: فلا . قال ـ لعله: ابن بزيرة ـ: والذي عليه جمهور أهل العلم أن الرفقة المأمونة من المسلمين تنزل منزلة الزوج أو ذي المحرم . وذَكَر ـ لعله: ابن بزيرة ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن المرأة لا تسافر إلا مع ذي محرم ، وقالت: ليس كل النساء تجد محرمًا!"أ.هـ. وقال ابن عبد البر في:"التمهيد" (21/54) :"وقال آخرون: لا يقصر المسافر الصلاة إلا في مسيرة ثلاثة أيام فصاعدًا ، وكل سفر يكون دون ثلاثة أيام: فللمرأة أن تسافر بغير محرم . هذا قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابه ، وهو قول ابن مسعود"أ.هـ.
وحجة الحنفية في التفريق لخصها الحافظ في:"الفتح" (4/90) بقوله:"وحجتهم: أن المنع المقيد بالثلاث مُتَحَقِّق ، وما عداه مشكوك فيه ، فيؤخذ بالمُتَيَقَّن"أ.هـ. وهي كذلك في الصلاة ، قال ابن بطال في:"شرح صحيح البخاري" (3/79) :"واحتج الكوفيون بحديث ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا مع ذي محرم". وقالوا: لما اختلفت الآثار والعلماء في المسافة التي تقصر فيها الصلاة ، وكان الأصل الإتمام لم يجب أن ننتقل عنه إلا بيقين ، واليقين ما لا تنازع فيه ، وذلك ثلاثة أيام"أ.هـ.
إلا أن حجة الحنفية نَقَضها جماعة ، قال الحافظ في:"الفتح" (4/90) :"ونوقض: بأن الرواية المطلقة شاملة لكل سفر ، فينبغي الأخذ بها وطرح ما عداها ؛ فإنه مشكوك فيه ، ومن قواعد الحنفية: تقديم الخبر العام على الخاص ، وترك حمل المطلق على المقيد. وقد خالفوا ذلك هنا"أ. هـ. وأما اختلاف ألفاظ الحديث فقال عنه النووي في:"شرح مسلم" (9/10) :"قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين واختلاف المواطن ، وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم والليلة أو البريد"أ.هـ.
تنبيه: ـ
قال الحافظ في:"الفتح" (2/660) :"الحكم في نهي المرأة عن السفر وحدها متعلق بالزمان ، فلو قطعت مسيرة ساعة واحدة مثلًا في يوم تام لتعلَّق بها النهي، بخلاف المسافر فإنه لو قطع مسيرة نصف يوم مثلًا في يومين لم يَقْصر، فافترقا . والله أعلم"أ.هـ. وعليه لو قيل: إن ثلاثة أيام عند القائلين بها، المقصود منها ألا تَبْقى المرأة في سفرها مدة ثلاثة أيام ، لكن لو قطعت مسافة مسيرة ثلاثة أيام في يومٍ لجاز لها السفر ، وعلى القول به: فيجوز السفر للمرأة إلى مشارق الأرض ومغاربها بالطائرة ؛ لأن السفر فيها تُقطع فيه المسافات في أقل من ثلاثة أيام عادة!
ـ والثاني: أن يكون السفر طويلًا . فاختلف فيه على قولين:
ـ أولهما: جواز السفر مع غير محرم مع شرط الأمن ـ وسبق ـ ، وهو وجه عند الشافعية وقول محكي عن مالك رحمه الله . قال النووي في:"المجموع" (7/70) :" (فرع) هل يجوز للمرأة أن تسافر لحج التطوع؟ أو لسفر زيارة وتجارة ونحوهما مع نسوة ثقات ؟ أو امرأة ثقة ؟ فيه وجهان ، وحكاهما الشيخ أبو حامد والماوردي والمحاملي وآخرون من الأصحاب في: (باب الإحصار) . وحكاهما القاضي حسين والبغوي والرافعي وغيرهم . أحدهما: يجوز كالحج . والثاني: وهو الصحيح باتفاقهم ، وهو المنصوص في (الأم) "أ.هـ المراد . وقال ابن الملقن في:"الإعلام" (6/81) :"فإن كانا ـ أي: الحج والعمرة ـ تطوعين، أو سفر زيارة أو تجارة ، ونحوها من الأسفار التي ليست واجبة . فقال الجمهور: لا تجوز إلا مع زوج أو محرم . وقال بعضهم: يجوز لها الخروج مع نسوة ثقات لحجة الإسلام . وفي مذهب مالك ثلاثة أقوال عند عدم الولي"أ.هـ المراد .