فهرس الكتاب

الصفحة 980 من 1664

وقد سألت بعض العلماء المعاصرين عن تعريفهم لدار الكفر ودار الإسلام، فلم يجبني إلا سماحة رئيس مجلس القضاء الأعلى السابق في المملكة العربية السعودية الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله، وهذا نص جوابه:"نفيدكم أن العبرة بمن كانت له الولاية والحل والعقد والتصرف في البلد، فإن كان ذلك للمسلمين، فهي دولة إسلامية، وإن وجد بها كفار، وإن كان الحل والعقد والتصرف والولاية للكفار، فتعتبر الدولة كافرة، وإن كثر فيها المسلمون" [ في خطاب خاص بعث به إلي برقم (422/1 وتاريخ 7/3/1401هـ ]

يلاحظ أن الشيخ اختار لفظ"الدولة"ولم يختر لفظ"الدار"ولعله لا يريد أن يسمي الدار دار كفر، لأن بعض بلدان المسلمين يحكمها من لا يؤمن بالإسلام.

ولقد ابتلي المسلمون بهذا الوضع الشاذ في كثير من بلدانهم، ولو طبقنا تعريف بعض العلماء لبلاد الكفر، لما سلم من هذا الوصف كثير منها، وفي ذلك من الأخطار ما فيه، إذ يترتب عليه ألا يتزوج المسلم في بلاده التي تلك صفتها بالمسلمة، فضلا عن الكتابية، خشية من أن يصبح أولاده شيوعيين أو علمانيين يحاربون الإسلام، وإذا اضطر إلى ذلك لا يقصد الولد.

لهذا لا أريد الخوض في هذا الأمر، وعلى المسلمين أن يتقوا الله ما استطاعوا في بلدانهم، وأن يصبروا على التمسك بدينهم، وعلى تنشئة أولادهم عليه، حسب قدرتهم ووسعهم، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

ولندع بلدان المسلمين، وننتقل إلى الكلام عن بلدان الكفر، لنعرف كيف تغيرت أحوالها هي أيضا، لأنها هي المقصودة في هذا الموضع.

حكم زواج المسلم بالكتابية في بلاد الكفر اليوم.

والكلام فيها يتلخص في ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: صفة بلاد الكفر اليوم.

المسألة الثانية: حالة المسلمين في بلاد الكفر اليوم.

المسألة الثالثة: حكم زواج المسلم بالكتابية في بلاد الكفر اليوم.

المسألة الأولى: صفة بلاد الكفر اليوم.

لقد كانت الخلائق في آخر عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، كما قال ابن القيم رحمه الله ثلاثة أقسام:"مسلم مؤمن به، ومسالم له آمن، ومحارب" [ زاد المعاد 3/160 ] والمراد بالمسالم له الآمن أهل الذمة.

وأما الأرض فكانت قسمين: أرض الإسلام، وهي التي يدين أهلها بالإسلام، أو يخضعون لحكمه بأداء الجزية، وأرض الكفر، وهي التي يسيطر عليها الكفار المحاربون.

وهكذا استمرت الأرض في عهد أصحابه، رضي الله عنهم، إما بلاد إسلام وإما بلاد حرب، والبلدان التي كانت تعقد هدنة مؤقتة مع المسلمين، هي بلاد حرب مالم يؤد أهلها الجزية ويخضعوا لحكم الإسلام.

أما الآن فإن بلدان الكفار إذا تأملت واقعها، وجدتها تنقسم قسمين:

القسم الأول: بلدان يعلن أهلها الالتزام بالسلم ونبذ الحرب، مع الشعوب الإسلامية وغيرها، وهي في الحقيقة ذات صفتين:

صفة تبدو بها أنها ليست بلاد حرب، وهي صفة المعاهدات والاتفاقات الدولية، التي يترتب عليها تبادل السفراء، والمعاملات التجارية والاقتصادية والصناعية والثقافية، وغيرها من المنافع، فهي بهذه الصفة شبيهة ببلاد العهد في العصور الإسلامية السابقة، إلا أن العهد في هذا العصر يتخذ صفة الدوام، وليس على أسس إسلامية، كما كان في السابق، وغالب المعاهدات والاتفاقات تكون المصالح الراجحة فيها لأهل الكفر وليست لأهل الإسلام، لأن أهل الكفر - وبخاصة البلدان الغربية - عندهم من القوة ما يجعلهم يسيطرون على من سواهم.

ومن الأمثلة على ذلك: أمريكا وبعض دول أوربا وغيرها …

وصفة تبدو بها دار حرب، وذلك من ثلاثة جوانب:

الجانب الأول: أنها تساعد الدول المحاربة للمسلمين بالمال والسلاح والغذاء والخبراء والإعلام، وكل ما تحتاج إليه الدولة المحاربة، كما تفعل أمريكا مع اليهود ضد المسلمين في فلسطين والدول العربية المجاورة، وكما تفعل مع الفليبين ضد المسلمين في الجنوب …

الجانب الثاني: أن أساطيلها البحرية وأسراب طائراتها الجوية، وجحافل جيوشها البرية، تجوب البلدان الإسلامية وغير الإسلامية، وهي على استعداد في أي وقت لمهاجمة أي دولة من دول الشعوب الإسلامية، إذا خرجت على مخططاتها الظالمة، كما فعلت أمريكا نفسها مع السودان، عندما هاجمت مصنع الشفاء، وكما فعلت في أفغانستان في نفس الفترة، وقد زاد عدوانها على العالم، وبخاصة المسلمين، بعد حادث مبنى التجارة العالمي في نيويورك يوم 11 سبتمبر 2001م

الجانب الثالث: أنها تسعى لإيجاد أحزاب تواليها وتؤيدها في داخل الشعوب الإسلامية، لمحاربة الإسلام والمسلمين، وتقوم بإمداد تلك الأحزاب بالمال والعتاد والخبراء، وبالوسائل الإعلامية، وتدفع تلك الأحزاب للقيام بانقلابات في داخل الشعوب الإسلامية، إذا لزم الأمر، من أجل القضاء على الحركات الإسلامية، كما حاولت ذلك - ولا زالت تحاول - في السودان - حيث دعمت الدول المجاورة، بالمال والسلاح، ودعمت الأحزاب السودانية الشمالية الموجودة في خارج السودان، لفتح جبهات قتالية، كما دعمت الحركات النصرانية والوثنية في جنوب السودان، لنفس الغرض.

وهذه الجوانب الثلاثة كافية لعد تلك الدول الكافرة دول حرب، وبلدانها بلدان حرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت