فهرس الكتاب

الصفحة 981 من 1664

وقد اعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم قريشا - في مدة الهدنة بينه وبينهم - حربا على المسلمين، بسبب إعانتهم بني بكر الذين دخلوا في عهدهم بالسلاح، على خزاعة الذين دخلوا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. [راجع في ذلك تفسير الإمام البغوي 2/266]

وإذا كانت الشعوب الإسلامية غير قادرة في الوقت الحاضر ـ بسبب ما هي فيه من ضعف وتفرق، وبسبب المعاهدات والاتفاقات الدولية التي لا طاقة لهم بمخالفتها ـ أن تعامل تلك الدول المعتدية عليها معاملة الحربيين بكثير من الأحكام الشرعية، كدعوتها لأحد أمرين: الدخول في الإسلام، أو أداء الجزية، فإن أبوا فإعلان الجهاد في سبيل الله، كما كان ذلك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومضى عليه السلف الصالح، عندما كانوا متمسكين بالإسلام، فيجب أن يعد المسلمون العدة المعنوية، وهي تقوية إيمانهم، والتقرب الصادق والإخلاص الكامل لله عز وجل، والعدة المادية، من اقتناء العتاد وصنعه، وتدريب الشعوب الإسلامية ليوم اللقاء المرتقب.

القسم الثاني: دار إسلام من حيث الأصل، ولكها أصبحت دار حرب، بسبب استيلاء أعداء الإسلام من اليهود عليها، وهي أرض فلسطين التي انتزعها اليهود بمناصرة النصارى في البلدان الغربية، وعلى رأسها بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، فهي من حيث هذا الاستيلاء دار حرب.

والأصل أنه لا فرق في الحكم بين دار الحرب في الماضي، ودار الحرب في هذا الزمان، من حيث عدم جواز زواج المسلم بالكتابية فيها، لما مضى من الأدلة القاضية بذلك.

أما زواج المسلم بالمسلمة في هذا البلد، فلا يمكن تطبيق حكم دار الحرب عليه، فلا يمنع المسلم من الزواج بالمسلمة، بحجة تعريض الولد للكفر وأخلاق الكفار، أو تكثير سواد الحربيين، لأن الزواج وقصد الأولاد والإكثار من النسل، هو في مصلحة المسلمين الذين يجب عليهم أن يتخذوا كل الأسباب التي تحرر الأرض المباركة وقبلة المسلمين الأولى، من أيدي العدو اليهودي المغتصب، وكثرة النسل يعين المسلمين على كثرة المجاهدين، والإعداد لطرد اليهود منها، ولا يجوز للمسلمين الهجرة هن بلادهم، بحجة أنها دار حرب، لأنالمحارب معتد طارئ الوجود في البلد، ولأن في هجرة المسلمين من بلادهم، يتيح لأعداء الإسلام الاستئثار بها، وخسارة المسلمين لأرضهم.

والواجب على المسلمين المجاورين لأرض فلسطين، أن ينصروا المجاهدين الفلسطينيين، حتى تتحرر أرضهم، وإذا لم يكف هؤلاء وهؤلاء، وجب على من يليهم في البلدان الإسلامية أن ينضموا إليهم، حتى لو لم يكف لجهاد لأعداء الله من اليهود إلا جميع المسلمين، لوجب عليهم عينا القيام بذلك، وإلا كان كل قادر منهم على الاشتراك هذا الجهاد آثما إذا لم يقم به.

حالة المسلمين المقيمين في بلاد الكفر اليوم

إن أغلب المسلمين الذين ينتقلون من بلادهم إلى بلاد الكفر، ويسكنون فيها، إنما يفعلوا ذلك لنيل مصالح خاصة، وهي: طلب الرزق بالحصول على أجور معينة على الأعمال التي تتاح لهم، أو تجارة لطلب الربح، وبعضهم يهاجرون إليها لطلب علم معين، ومنهم من يهاجر إليها هربا من الظلم الذي يصبه عليهم حكامهم، وقليل جدا من يبقى في بلاد الكفار من أجل الدعوة إلى الإسلام

[تنبيه: هذا كان في الفترة التي كتبت فيها هذا البحث، أما اليوم فقد كثرت المراكز الإسلامية والمساجد والمدارس، بل بدأ المسلمون ينشئون جامعات في بلدان الغرب، وقد يفرغ بعض الدعاة والعلماء للقيام بتعليم المسلمين ودعوة غيرهم إلى الإسلام] .

هذا من حيث مقاصد المسلمين المقيمين في بلاد الكفر.

أما حالتهم في تلك البلدان، فإن المصالح التي تعود إلى الكفار منهم أعظم من المصالح التي تعود على المسلمين، فغالب المسلمين هم من ذوي الأعمال البدنية ذات الجهود الشاقة، والأجور الزهيدة، وثمار أعمالهم عائدة إلى الكفار، الذين يعدون العدة للإضرار بالمسلمين عند الحاجة، فالمسلمون العاملون في البلدان غير الإسلامية، يساعدون أهل تلك البلدان بطريق مباشر أو غير مباشر - بغير قصد في الغالب - ضد المسلمين في بلدانهم.

وكذلك المتخصصون المهرة في أي علم من العلوم الكونية والإنسانية، كالطب والفلك، والكيمياء، والفيزياء، والاقتصاد، والقانون، والسياسة، والعلوم العسكرية … كل جهود هؤلاء تعود ثمارها بالفائدة على بلاد الكفر.

وقد سمعت من بعض المسلمين المتخصصين في بعض تلك العلوم الذين اضطروا إلى البقاء في تلك البلدان، أنهم نادمون ندما شديدا على مشاركتهم في بناء بلاد الكفر بجهودهم، وحرمان بلادهم من تلك الجهود، مع العلم أن ما يجنونه من أجور على تلك الجهود لا يعد شيئا يذكر، ولو أتيحت لهم فرص العمل في تخصصاتهم بأقل من ذلك، لفضلوا العمل في بلدانهم على العمل في تلك البلدان.

وقد يظن بعض الناس أن المسلمين يستفيدون فائدة معنوية في بلدان الكفر، لا يجدونها في بلدانهم، تلك الفائدة هي حرية التدين، وحرية الكلمة، والدعوة إلى الإسلام، وإقامة الشعائر الدينية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت