وقال: يا عم تمسح الدم بثوبك؟! أمسح الدم بثوبي لا بثوبك يا عمى.
قال أبو قدامة: فبكيت والله ولم أُحر جوابًا.
ثم قال بصوت ضعيف أقسمت عليك إنْ أنا متُّ أن ترجع إلى الرقة ثم تُبشر أمى بأن الله قد تقبل هديتها إليه , وأن ولدها قد قتل في سبيل الله مُقبلًا غير مدبر , وإنَّ الله إنْ كتبنى في الشهداء , فإنى سأرسل سلامها إلى أبى وأخوالى في الجنة , ثم قال: يا عمى إنى أخاف ألاَّ تصدق أمى كلامك فخذ معك بعض ثيابى التى فيها الدم , فإنَّ أمي إذا رأيتها صدقت إنى مقتول, وقل لها إن الموعد الجنة إن شاء الله تعالى , يا عمى إنك إذا رجعت إلى بيتنا ستجد أختًا لى صغيرةً عمرها تسع سنوات ما دخلت المنزل إلا استبشرت وفرحت , وما خرجت من المنزل إلا بكت وحزنت وقد فُجعت بمقتل أبى عام أول وفُجعت بمقتلى هذا العام , وإنها قالت لى عندما رأت علي ثياب السفر ورأت أمى تلف الثياب علي: يا أخى لا تبطأ علينا وعجِّل الرجوع إلينا.
فإذا رأيتها فطيب صدرها بكلمات وقال لها: يقول لك أخوك , الله خلقنى عليك. قال أبو قدامة: ثم تحامل الغلام على نفسه , وضاق نَفسُه في صدره , وضعف صوته حتى لم أعد أفهم شيئًا من كلامه , ثم تحامل على نفسه. وقال: يا عمى صدقت الرؤيا والله , صدقت الرؤيا وربِّ الكعبة , والله إني لأرى المرضية الآن عند رأسى وأشم ريحها.
قال: ثم انتفض صدره وتصبب العرق من جنبه ثم شهق شهقات حتى اشتدَّ عليه الشهاق. قال: ثم مات الغلام بين يدي. [تنبيه الغافلين: ص395]