ورميت النبال وجردت السيوف وتكسرت الجماجم وتطايرت الأيدى والأرجل وأشتد علينا القتال , حتى اشتغل كل منا بنفسه.
وقال كل خليل كنت آمله ... لا ألهينك إنى عنك مشغول
حتى إن السيوف- والله- لا تثبت في أيدينا , فما زال القتال يشتد علينا وقد انشغل كل منا عن الآخرين بنفسه , وما زال يشتد علينا ويزيد حتى زالت الشمس ودخل وقت صلاة الظهر ثم هزم الله تعالى الصليبين.
قال: فلما هزمهم , أجتمعت مع أصحابى , ثم صلينا الظهر فبدأ كل واحد من الناس يبحث عن أقربائه وأحبابه , أما الغلام فلا أحد يبحث عنه وينظر في أمره , فبينما الحال على هذا , قلت: والله لأنظرن في خبره لعله مقتول أو جريح أو لعل بعض أولئك الكفار قد أخذه أسيرًا وأخذه معهم لما هربوا وولوا الأدبار , فبدأت أمشى بين القتلى والجرحى , وأتلفت بينهم أنظر , فبينما أنا على ذلك إذ سمعت صوتًا يصيح من ورائى ويقول: أيها الناس ابعثوا لى عمى أبا قدامة , فالتفت إلي مصدر الصوت , فإذا الجسد جسد الغلام وإذا الرماح قد تسابقت إليه والخيل وطأت عليه , فمزقت اللحمان وأدمت اللسان ومزقت الأعضاء وكسرت العظام , وإذا هو يتم ملقى في الصحراء فأقبلت إليه وانطرحت بين يديه , ثم صرخت بأعلى صوتى قائلًا: ها أنا أبو قدامة , ها أنا أبو قدامة. فقال: الحمد لله الذى أحيانى إلى أن أوصى إليك , فأسمع منى وصيتى فقال أبو قدامة: فبكيت والله على محاسنه وجماله وبكيت والله رحمة بأمه المقيمة في الرقة التى فُجعت عام أول بأبيه وأخواله وتفجع هذا العام به , قال: فأخذت بطرف ثوبى أمسح الدم عن محاسنه وجماله , فلما شعر بذلك , رفع بصره إلى