أتأمل في الناس حولى فإذا كل واحد منهم يجمع حوله إخوانه وأقربائه , أما الغلام فلا أبُ يدعوه إليه ولا عم يقربه إليه ولا أخ يجعله بين يديه فأخذت أرقبه وأنظر إليه , فلما نظرت فإذا الغلام في مقدمه الجيش , فأخذ أشق الصفوف مشيًا إليه , فلما وصلت إليه قلت له يا بنى: أنك خبرة بالقتال والجهاد.
قال: لا هذه والله أول معركة , وأول مشهد أراه وأقاتل الكفار فيه. فقلت له يا بنى: إن الأمر على خلاف ما في بالك وذهنك , إن الأمر قتال وإن الأمر دماء وصهيل وجولان أبطال ورمى نبال. يا بنى: فكن في آخر الجيش , فإن كان نصر انتصرت معنا وإن كانت هزيمة لم تكن أول مقتول.
قال: فنظر إلي عجبًا. وقال: أنت تقول لى ذلك. قلت نعم أنا أقول لك ذلك. فقال: يا عم هل تريدنى أن أكون من أهل النار قلت له: أعوذ بالله , لا والله , والله ما جئنا إلى الجهاد إلا هربًا من النار وطلبًا للجنان. قال: فقال لى: إن الله تعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ(15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) الأنفال: 15 , 16.
هل تريدنى أن أوليهم الأدبار فيكون مأواي جهنم.؟
قال أبو قدامة: فعجبت والله من حرصه ومن تمسكه بهذه الآيات , فقلت له: يا بنى إن الآية مخرجها على غير كلامك , فأبى على أن يرجع فأخذت بيده أجذبه حتى أرجعه إلى آخر الصفوف , فجعل يجذب يده منى, ثم بدأ القتال , فحالت الخيل بينى وبينه , فلما بدأ القتال جالت الأبطال