جلس أبو قدامة يومًا في الحرم المدني , فسأله سائل فقال: يا أبا قدامة حدثنا بأعجب ما رأيتَ من أمر الجهاد والغزو.
فقال أبو قدامة: إني لمحدثكم عن ذلك , خرجتُ مرة مع أصحاب لي إلى الرّقة لنقاتل بعض المشركين في الثغور. قال: فلما نزلت في الرقة أشتريتُ منها جملًا أحمل عليه سلاحي ووعظت الناس في مساجدها وحثتهم على الجهاد في سبيل الله والإنفاق لنصرة الإسلام. قال: فلما تكلمت في بعض مساجدها , ثم جنَّ علي الليل أكتريتُ منزلًا أبيت فيه , فلما ذهب بعض الليل فإذا بباب المنزل يطرق علي.
قال: فعجبتُ عجبًا شديدًا. مَنْ هذا الذى يطرق علي الباب؟: فأنا رجلٌ غير معروف في هذه البلاد. قال: فلما فتحت الباب وأنا رجل فإذا بامرأة متحصنة عفيفة قد تلفعت بجلبابها , فلا ترى منها شيئًا , قال: فلما رأيتها فزعتُ منها , وقلت: يا أمة الله ما تريدين؟ رحمك الله! قالت لي: أنت أبو قدامة؟ قلت: نعم. قالت: أنت الذى جمعت المال اليوم للثغور. قلت نعم. قال: فلما سمعت منى ذلك دفعت إلي رقعة وخرقة مشدودة ثم انصرفت باكية.
قال: فعجبت والله من أمرها , ثم نظرت في الرقعة فإذا مكتوب فيها: يا أبا قدامة إنك قد دعوتنا اليوم للجهاد وأنا امرأة لا أستطيع الجهاد ولا قدرة لي على ذلك ولم أجد مالًا أزودك به لتذهب به إلى المجاهدين , فقطعت أحسن ما فيّ , فهما ضفيرتاي ثم صنعتُ منه شِكالًا - حبلًا - يربط بها الفرس وأنفذتها إليك لتجعلهما قيد فرسك لعل الله تعالى إذا رأى شعري قيد فرسه في سبيله أن يغفر الله تعالى لى وأن يدخلنى الجنة.