قال أبو قدامة: فعجبت والله من حرصها وبذلها لكل ذلك في سبيل الله وشدة شوقها إلى المغفرة والجنة , مع أنها صنعت أمرًا غير مشروع في الدين: أن تقص شعرها بهذه الطريقة لكن شوقها إلى الجنة غلبها على ذلك.
قال: فجعلتُ هذه الخرقة في بعض متاعي , ثم لم أصبحنا , وصلينا الفجر خرجتُ أنا وأصحابى من الرقة فلما بلغنا حصن مسلمة بن عبد الملك فإذا بفارس يصيح وراءنا , ويقول: يا أبا قدامة .. يا أبا قدامة قف عليّ يرحمك الله.
قال: فقلت لأصحابى: تقدموا أنتم عنى , وأنا أرجع أنظر في خبر هذا الفارس , فلما رجعت إليه بدأني بالكلام , وقال: الحمد لله الذي لم يحرمني صحبتك , ولم يردني خائبًا إلى أهلى.
قال: فقلت لله ما تريد رحمك الله؟
قال: أريد الخروج معكم للقتال.
قال: فقلت له: اسفرْ عن وجهك , فإنْ كنتَ كبيرًا يلزمك القتال قبلتك, وإن كنتَ صغيرًا لا يلزمك الجهاد ردتك.
قال: فكشف اللثام عن وجهه , فإذا بوجهٍ كمثل القمر , وإذا هو شاب غلام عمره سبعة عشرة سنة.
فقلت له: يا بنى عندك والد؟
قال: لا, قد قتله الصليبيون , وأنا خارج أقاتل الذين قتلوا أبى.
فقلت له: أعندك والدة؟