فهرس الكتاب
الآباء والأبناء في الإسلام
إنّ حب الأولاد ، والرغبة في الاستكثار منهم ، أمرٌ مغروس في النفس البشرية ، فترى الإنسان يبتهج لقدوم الولد ، ويسعد لسعادته ، ويحس بوجوده بمعنى الحياة ، ويتقوى بالولد ويعتز ويمنّي نفسه بالمستقبل الزاهر ، والعزّ الضخم والجاه العريض. قال تعالى: ( زُين للناس حُب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المُسومة والأنعام الحرث ، ذلك متاع الحياة الدنيا)
فالأولاد من متاع الدنيا، وهم زينة الحياة الدنيا. ( المال والبنون زينة الحياة الدنيا ) ا لكهف46 ويدعو بعض الباحثين حبّ البنين والرغبة في الاستكثار منهم بـ"غريزة الامتداد في الذراري والأحفاد ) وذلك لأن آمال الإنسان تضيق عنها الستون أو"
السبعون من السنين ، فيتطلع المرء إلى أن يخلفه ابنٌ ينسب إليه فيحيي ذكره، ويمتد بالحياة بسببه ولو كان في عالم الأموات ، وهذه الغريزة يستوي فيها الناس جميعًا فقيرهم وغنيهم. وهي من نعم الله التي امتن بها على عباده فقال: ( واتقوا الله الذي أمدكم بما تعلمون . أمدكم بأنعام . وبنين وجنات وعيون ) الشعراء: 130 . وإمتنَّ بها على بني إسرائيل فقال: ( ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرًا ) . الإسراء: 6.
والإسلام دين الفطرة يحرص على إبقائها نقية خالصة ، لا تشوبها شائبة ، ولا يعكر صفوها دخيلٌ ، وهو في الوقت ذاته لم يصادم الغرائز ، ولكنه يرتقي بها ويوظفها لتكون في خدمة المُثل، ومن أجل بناء الفرد الصالح والبيت الصالح والمجتمع الصالح.
وقد دعا إلى الوفاء والبر عامة ، وخص الوالدين بمزيد من الأمر بالوفاء لهما والبر بهما ، رعاية لهما في حالة شيخوختهما وضعفهما .
هذا الموضوع يتجلى فيه بوضوح الإحكامُ _ الرائع الذي تميزت به شريعة القرآن_ فلم يهمل جانبًا ، ولم يُسرف في جانب . وللنظر بإيجاز إلى معالم هذا الموقف الرباني العظيم .
من حقوق الابن على الأب
طالب الإسلام المكلف الذي سيكون أبًا بتقدير الأبوة حق قدرها قبل أن يتزوج ، ورغَّب إليه أن يتخير الزوجة الصالحة . فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [ تنكح المرأة لأربع: لمالها ، ولحسبها ، ولجمالها ، ولدينها ، فاظفر بذات الدين ، تَربت يداك ] . رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. ورواه أحمد عن أبي سعيد الخدري بلفظ: تنكح المرأة على إحدى خصال: لجمالها ومالها وخلقها ودينها ، فعليك بذات الدين تربت يمينك .
وقد أثبتت البحوث العلمية أن الجنين تنحدر إليه بعض الصفات الخلقية والنفسية من ناحية الأبوين ، وأنه ينطوي عليها اضطراريًا ، وقد يبلغ الجد الرابع ، فالعرق دساس ، والوراثة أمر محقق علميًا .
ومن طريف ما سمعت أن رجلًا كان يشكو لصديقه عقوق ولده ، وسوء معاملته ، ودناءة طبعه فقال: لا تلُم أحدًا .. لكن توجه باللوم إلى نفسك ، لأنك لم تتخير أمه . وقديمًا قيل: كادت المرأة أن تلد أخاها .
وهنا تأتي الاستشارة والاستخارة بعد البحث والتخير ، ولا يجوز أن يغامر الفتى في هذا الأمر بسرعة دون أن يستشير أهله وذوي المعرفة ، ويستخير الله تعالى .
وإذا كان ذلك مطلوبًا في الماضي فإن طلبه الآن أشد تأكدًا ، لأن ممارسة المرء لحقه في الطلاق كانت في الإطار الإسلامي المشروع ، أما الآن فقد أضحى الأمر مختلفًا، وغدا التسرع في الإقدام على هذه الخطوة - دون بحث واختيار ، واستشارة واستخارة - ، ورطة تجلب الشقاء والتعاسة ، وتوجب الندم ، ولات ساعة مندم .
ثم بعد أن يُولد أوجب الشرع على والده المحافظة على حياته ذكرًا كان أم أُنثى ، وحرم قتله فقال تعالى: ( لا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقهم وإياكم ) ا لأنعام151 وقال: ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقكم وإياهم )
الإسراء:31 ، فحرم القتل من الفقر القائم ، أو خشية الفقر المتوقع ، وتكفَّل جل وعز برزقهم ورزق الآباء .
وقد روى البخاري عن عروة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية: ( يأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على ألا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم ) الممتحنة:12.
قال عروة: قالت عائشة فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: بايعتك كلامًا ، والله ما مست يدهُ يد امرأة في المبايعة قط ، ما يبايعهن إلا بقوله قد بايعتك على ذلك .
ثم أمر الإسلام الأب أن يُحسن تسميته، وأوجب رعايته والقيام بشؤونه من إرضاع وكسوة ، وكل ما يحتاج إليه قال تعالى: ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يُتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، لا تُكلَّف نفس إلا وسعها لا تُضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك ) البقرة:233 .
ثم أوجب عليه الشرع أن يربيه التربية الفاضلة فيعلمه ما يجب عليه من أمور دينه، ويأمره بالصلاة لسبع ويضربه عليها لعشر، ويفرق بينه وبين إخوته في المضاجع ، ويحذره من التهاون في حقه ، ( يوصيكم الله في أولادكم ) النساء: 11 .
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ كفى بالمرء إثمًا يضيع من يعول ] . رواه الحاكم.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [ إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع ، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته ] . رواه ابن حبان.
وعن ابن عمر أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [ كلكم راع ومسؤول عن رعيته ، الإمام راع ومسؤول عن رعيته ، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها ، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته ] . رواه البخاري ومسلم.
وقد يتعارض الحب والحنان مع المسؤولية والتربية ، وهنا يأتي التحذير من الضعف أمام الواجب ، والاستسلام للعاطفة ، ونسيان المصلحة الكبرى .
إن الدواء قد يكون مُرًَّا ، فإذا غلبت النظرة السطحية ، وامتنع عن تناوله تفاقم المرض وصعب الشفاء ، وقد ينتهي إلى الهلاك، وكذلك إجراء العملية الجراحية لاستئصال عضو مؤلمة أشد الإيلام ، ولكن يتحمل العاقل آلامها لينعم بالراحة والشفاء فيما بعد .
والأنبياء فُطروا على حب الأولاد ، وابتغاء الخير لهم ، شأنهم في ذلك كشأن الناس فهذا نوح عليه السلام قد عقّه ابنه بالكفر ، وعانده ، ولم يستجب لدعوته، وركب رأسه متحيزًا إلى فئة الكفر ، لكنه عندما أراد عليه السلام أن يركب السفينة تحركت
في نفسه عاطفة الأبوة قائلًا -كما يذكر القرآن - ( ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بُني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين . قال سآوي إلى جبل يعصمنى من الماء قال: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ) هود:42
ويبدو أن الحزن خامر قلب الوالد الرؤوف الرحيم على فلذة كبده ، وهو يراه من الهلكى المغرقين ( ونادى نوح ربه فقال رب ان ابني من أهلي ، وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين . قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ، فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ) هود:45-46 . وسرعان ما آب الأب إلى الحق مستغفرًا ، ولجأ إلى الله تائبًا ( قال رب إني أعوذ بك أن أسالك ما ليس لي به علم، وإلا تغفر لي وترحمني أكُن من الخاسرين) هود:47 لا يجوز أن تغير العاطفة حقيقة العلاقة بين المسلمين ، فابن نوح ليس من أهله ، لأنه عمل عملًا غير صالح ، فالأهل - عند الله تعالى وفي دينه وميزانه - ليسوا قرابة الدم ، وإنما قرابة العقيدة . وهذا الولد لم يكن مؤمنًا ، فليس إذن من أهله ، وهو النبي المؤمن .
وهذا إبراهيم عليه السلام عندما سمع إكرام الله وتبشيره إياه بإمامة الناس ، أراد أن تكون هذه الإمامة في ذريته ، فجاء التقرير الرباني على نحو ما نقرأ في كتاب الله:
( وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلمات فأتمهن ، قال إني جاعلك للناس إمامًا قال ومن ذُريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) البقرة:124 .
وكذلك فإن سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما كان يدعو ربه كان يشرك أولاده معه في هذا الدعاء: ( وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنًا واجنبني وبنيَّ أن نعبد الأصنام ) إبراهيم: 25.
إزاء هذا الفيض من العاطفة ، والسيل المتدفق من الحنان، والميل الشديد لاسترضاء الأولاد ، وإدخال السرور عليهم وقف الإسلام وقفة المذكر المنبه الكابح، إذ إن هذا الحنان وهاتيك العاطفة قد تنسيان الأب مهمته في التوجيه والتربية ، فينقلب عندئذٍ إلى منفّذ لأوامر أطفال صغار ، ومسارع في تحقيق رغبات هؤلاء الذين لا يعرفون من الحياة شيئًا ، ولا يدرون ما ينفعهم وما يضرهم .
إن كثيرًا من أجيال المسلمين اليوم في عدد من بلاد الإسلام لم يجدوا في والديهم إلا الحنان المحض أو الإهمال اللامبالي .. من أجل ذلك تجد في صفات كثير من مسلمي اليوم الميوعة والضعف والانهزامية واللامبالاة .
وعندما كان الرجل في سابق الأيام مسيطرًا على البيت ، كانت شدته وصلابته تخففان من لين الوالدة ، وتكفكفان من تدليلها الأولاد . أما بعد أن استنوق الجمل في كثير من الأوساط ، وأصبح الرجل في بيوت هذه الأوساط لا مهمة له إلا القيام بالخدمات ، وجلب الأغراض والحاجيات ، ودفع الفلوس والنفقات ، ولم يعد يملك من أمر بيته إلا اليسير التافه ، كان هذا الجيل المائع المنهار .
تنبه أيها الأب !!
كان الإسلام في أحكامه وتشريعاته محذرًا الآباء ومُنبهًا إياهم إلى أمور:
1.منها أن البنين وإن كانوا هم زينة الحياة الدنيا إلا أن هناك ما هو خير منهم .. هناك الباقيات الصالحات ، قال تعالى: ( المالُ والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خيرٌ عند ربك ثوابًا وخيرٌ أملًا ) الكهف:46 .
وتشرح آية أخرى هذا الأمر على النحو الآتي: ( زين للناس حُب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومّة والأنعام ، والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حُسن المآب. قُل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مُطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد ) آل عمران:14-15 .
فالجنات والأزواج المطهرة والرضوان من الله خير من كل تلك الشهوات التي كان منها شهوة البنين .
وجاء في كتاب الله تعالى التنبيه على يوم القيامة بالخصوص ، ذاك اليوم الذي لا ينفع هؤلاء الأولاد آباءهم شيئًا: ( يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ) الشعراء: 88-89 .
إن الأولاد لا يقربون إلى الله زُلفى إن لم يكن هناك عمل صالح: ( وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زُلفى ) سبأ:37 .
إن الميزان يوم القيامة ميزانٌ لا يعبأ بما تعارف عليه الناس في دنياهم من روابط وعلاقات وقيم ، وإن المرء لا ينفعه في ذاك اليوم الرهيب إلا ما قدّم من الأعمال الصالحة: ( لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير ) الممتحنة: 3.
2.التهديد الشديد ، والوعيد المخيف لمن يقدم أولاده في المحبة على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والجهاد في سبيله ، قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباؤكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان، ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون . قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارةٌ تخشون كسادها ومساكنُ ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ) التوبة:23-24. وإنه لتهديد يخلع القلوب ويذهب بالألباب .
3.التحذير من فتنة المال والأولاد ، والتحذير من أن تلهي المرءَ أموالُه وأولاده عن ذكر الله ، فقد ينتهي المرء أحيانًا إلى الكفر بسبب ولده .. قد ينتهي إلى المعصية والتقصير والتقاعس عن القيام بالواجب .
وقد رأينا في واقعنا ناسًا كانوا طيبين ، حملتهم عاطفة المسايرة لأولادهم على تأييد الباطل ضد الحق ، ونصرة الكفرة على المسلمين ، لأن أولادهم قد ضلوا عن سواء السبيل ، وانحازوا إلى جانب الانحراف .
وقص الله تبارك وتعالى علينا في قصة موسى مع العبد الصالح ، فقال عز وجل: ( وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يُرهقهما طُغيانًا وكفرًا فأردنا أن يُبدلهما ربهما خيرًا منه زكاةً وأقرب رحمًا ) الكهف: 80-81 .
لقد حذرنا الله سبحانه من الانسياق وراء الأولاد ، متخطين حدود الله ، فذكر أن منهم أعداء فقال:( إن من أزواجكم وأولادكم عدوًا لكم فاحذروهم، وإن تعفوا
وتصفحواوتغفروا فإن الله غفور رحيم . إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجرٌعظيم )التغابن: 14-15.
فالأزواج والأولاد قد يكونون مشغلةً وملهاةُ عن ذكر الله ، كما أنهم قد يكونون دافعًا للتقصير في تبعات الإيمان . والمجاهد في سبيل الله يتعرض لخسارة الكثير وتضحية الكثير ، كما يتعرض هو وأهله للعنت ، وقد يتحمل العنت في نفسه ولا يحتمله في زوجه وولده فيبخل ويجبن ليوفر لهم الأمن والقرار أو المتاع والمال، فيكونون عدوًا له ، لأنهم صدوه عن الخير، وأعاقوه عن تحقيق غاية وجوده الإنساني العليا ، وقد اعترف بعض المتقدمين بأن الذي زين له القعود عن الجهاد والحرب بناته الضعيفات ، فقال:
لقد زاد الحياة إليّ حبًا بناتي إنهنّ من الضعافِ
أحاذر أن يرين الفقر بعدي وأن يشربن رنقًا بعد صافِ
وأن يعرين إن كُسي الجواري فتنبو العين عن كرم عجافِ
أبانا مَن لنا إن غبت عنّا وصار الحيّ بعدك في اختلاف
ولولا ذاك قد سومت مُهري وللرحمن في الضعاء كاف
وحذرنا جل جلاله من أن تلهينا أموالنا وأولادنا عن ذكره سبحانه ، وعدّ من يفعل ذلك خاسرًا ، فقال: ( يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون ) المنافقون: 9 .
وإننا لنبصر في واقعنا حال كثير من هؤلاء الآباء الذين تلهيهم أموالهم وأولادهم عن ذكر الله كيف يخسرون الهدوء والطمأنينة ، والراحة والسعادة ، يخسرون ذلك في سن الشباب والكهولة ، ثم هم بعد أن تتقدم بهم السن لا يستطيعون أن يتنعموا بالأموال التي جمعوها ، وقد ينساهم أبناؤهم ولا يلتفتون إليهم .
سمعت أن واحدًا من هؤلاء الساقطين من الأبناء حمل أباه إلى مأوى العجزة لكيلا يضايقه أو يزعج زوجته ، وأعرف آخر أرسله أبوه إلى ديار الغرب ليدرس ويعود، وكان يؤثره بالمبلغ الذي يطلبه ، ويؤثره على نفسه ودوائه وطعامه ، فلما تخرج تزوج من تلك البلاد واستقر هناك .. ولم يأت ليرى أباه على فراش المرض يودع الحياة . أيّ خُسران في الدنيا أكبر من هذا ؟!! وأما في الآخرة فإنهم صائرون إلى عالم الغيب والشهادة ، شديد العقاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون .