فهرس الكتاب
ذات مرة سمعت مواء قطة حبيسة داخل محل مأكولات قريب من بيتي، الحمقاء تسللت إلى الداخل قبيل إغلاق الأبواب عليها دون أن تدري، لصة طبعا ولكن منذ متى كان قانون (حموراي) ينطبق على القطط ؟، الكارثة أن ذلك كان عصر الخميس بمعنى أنها ستحبس ليلتين كاملتين حتى صباح السبت حين تفتح المدرسة المجاورة أبوابها، راحت تموءبتلك الطريقة التي تجيد تقطيع القلوب بها.. قلبي أنا بالذات!!
وبعد كثير من الجهد والتلطف استطعت معرفة رقم هاتف صاحب المحل، اتصلت بهوأنا أذوب خجلا من اقتحام خصوصيته في منزله راجيا إياه -بإلحاح- الحضور لإطلاق سراح القطة المسكينة، الرجل استمع لي في صمت (وهو رجل عرضه متر وطوله مترين وصوته مبحوح بشكل يعطيني إيحاء دائما بتعاطي المكيفات) ثم ضحك ضحكة مدوية بصوت عريض مبحوح حتى أدركه السعال -ضحكة رجل لا يعبأ بكل قطط العالم- قائلا ما معناه أنها قطة محظوظة -بنت الكلب- لأنها ستأكل وتشرب مجانا، على حسابه طبعا حتى يطلق سراحها صباح السبت.. حاولت أن أقول له: الحرية وليس الطعام يا سيدي لكنه لم يعطني فرصة بل قال لي: إنه لا معنى لأن أشغل بالي بهاخصوصا وأنا ابن الناس الطيبين، هكذا قالها بنبرة ذات مغزى أشعرتني أنه يرى في اهتمامي بهاشيئا رقيعا لا يليق، وهكذا أنهيت الاتصال -وقد أسقط في يدي- شاعرا بالذنب.
الراحمون يرحمهم الله
يستفز الشرقيون جدا رفق الغرب بالحيوان، يقارنونهبالغبن الذي وقع عليهم بسبب سياسات بلادهم، وأنا لا أنكر هذه الازدواجية في المعايير ولكني لا أجده مبررا لممارستنا القسوة، فالرحمة لا تتجزأ، كتب الله على نفسه الرحمة وهو الغني عنا، نفعل الذنوب ونطمئن أنفسنا بأن الله غفور رحيم باعتباره أعظم وأكبر وأعلى، فلماذا لا نطبق نفس المعايير على المخلوقات الأضعف؟ على الأقل لا نؤذيها.
يحكي صديقي عن كلب أجرب شاهده يتجول في معبد الأقصر، وبرغم أنه عطوف جدا على الحيوان فإنه لم يجد أي سعة نفسية للاقتراب منه من فرط قبحه ومرضه وهزاله، كان واضحا أن الكلب جائع وكان أفضل ما سيصنعه - لو كان معه طعام - أن يلقيه على الأرض موليا الأدبار نافيا صورته المثيرة للاشمئزاز عن ذاكرته، يحكي صديقي أن سائحة ألمانية فعلت ما عجز هو عن تصوره، تخلفت عن رفاقها وراحت - أمام عينيه المشدوهتين - تطعمه بنفسها وهي تمسح على جسده الأجرب وتغمره بكلمات التدليل، يقول صديقي إنه لم يشعر قط بالفارق الحضاري بينهما كما أحسه في هذه اللحظة، لم تبهره الدقة الألمانية -التقدم والحضارة والتفكير العلمي- بقدر ما أدهشه المحتوى الإنساني.
عندنا حينما يريد الأب مكافأة ابنه يبتاع له بندقية صيد يباغت بهاالعصافير النائمة في أعشاشها، في عتمة الفجر ينهض الصبي لصيدها قبل استيقاظها، وهو الذي يذيق أمه الأمرين للاستيقاظ في السابعة للذهاب إلى المدرسة، لكنه يجد الحافز ليغادر المخدع الدافئ ليحرم تلك الكائنات اللطيفة من حقها في الحياة لا لشيء سوى إثبات براعته في التصويب، بعدها يلقي العصافير المضرجة في دمائها على جانب الطريق لأنها هزيلة لا تصلح كطعام.