خلاف ما عرفته منهم من رِقَّة قلوبهم عليه؛ لشدة محبتهم له، وسكت أنسٌ عن جوابها؛ رعاية لها، ولسان حاله يقول لم تطب أنفسنا بذلك، إلا أنا قهرناها على فعله، امتثالًا لأمرِه ...
ويستفاد من الحديث جواز التوجع للميت عند احتضاره بمثل قول فاطمة - عليها السلام: «واكرب أباه» ، وأنه ليس من النياحة، لأنه - صلى الله عليه وسلم - أقرَّها على ذلك.
وأما قولها بعد أن قُبض: «وا أبتاه , .. إلخ» ، فيؤخذ منه أن تلك الألفاظ إذا كان الميت متصفًا بها، لا يمنع ذكره لها بعد موته، بخلاف ما إذا كانت فيه ظاهرًا، وهو في الباطن بخلافه، أو لا يتحقق اتصافه بها، فيدخل في المنع ... ). (1)
قال ابن هبيرة (ت 560 هـ) - رحمه الله: (وأما قول فاطمة - رضي الله عنها: ... «واكرب أبتاه» ، فإنَّ هذه الألف والهاء في كلام العرب يُسمَّيان حرفي ندبة؛ فلو قال غير فاطمة - عليها السلام - مثل هذا القول الجميل على ميِّتٍ، جَاز، ما لم تقل شيئًا يُسخط الرب، أو يتبع ذلك بنَوحٍ أو لطم خَدٍّ أو شق ثوب، ولْتَقُلْ هذا المرأة إذا قالَتْهُ وهي جالسة؛ لئلا تتَشَبَّهَ بالنادِبَةِ في قيامها.
وفي كلام فاطمة - عليها السلام - دليل على فصاحتها وصدقها؛ لأنها لم تقل:
(1) «فتح الباري» لابن حجر (8/ 149) .