ثم عرج به إلى السماء السادسة فلقي فيها موسى بن عمران - عليه السلام - فسلم عليه - فرد عليه، ورحب به، وأقر بنبوته. فلما جاوزه بكى. فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي لأن غلامًا بعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي.
ثم عرج به إلى السماء السابعة فلقي فيها إبراهيم - عليه السلام - فسلم عليه، فرد عليه، ورحب به، وأقر بنبوته. وكان مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وهو بيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه.
ثم رفع إلى سدرة المنتهى، فإذا أوراقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال - أي الجرار الكبيرة - ثم غشيها فراش من ذهب، وغشيها من أمر الله ما غشيها، فتغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها.
ثم عرج به إلى الجبار - جل جلاله -، فدنا منه، حتى كان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما أوحى. وفرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة في كل يوم وليلة. فرجع حتى مر على موسى فقال: بم أمرك ربك؟ قال: بخمسين صلاة، قال: أمتك لا تطيق ذلك، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. فالتفت إلى جبريل. فأشار أن نعم إن شئت. فرجع فوضع عنه عشرًا. ثم مر بموسى فسأله فأخبره فأشار عليه بسؤال التخفيف. فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله - عز وجل - حتى جعلها خمسًا. ثم مر بموسى فأشار بالرجوع وسؤال التخفيف. وقال: الله لقد راودت بني إسرائيل على أدنى من هذا فضعفوا عنه وتركوه، فقال - صلى الله عليه وسلم: قد استحييت من ربي، ولكني أرضى وأسلم. فلما بعد نودي أن قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، هي خمس وهن خمسون، لا يبدل القول لدي.
ثم رجع عليه السلام من ليلته إلى مكة المكرمة، فلما أصبح في قومه أخبرهم بما أراه الله - عز وجل - من آياته الكبرى، فاشتد تكذيبهم له وأذاهم واستضرارهم عليه، فمنهم من صفق. ومنهم من وضع يده على رأسه تعجبًا وإنكارًا. وسعى رجال إلى أبي بكر الصديق، وأخبروه الخبر. فقال: إن كان قال ذلك فقد صدق. قالوا: أتصدقه على ذلك؟ قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك. أصدقه على خبر السماء في غدوة أو روحة، فسمي الصديق.