كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، أراد بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العياذ بالله - وأخذ يدبر لذلك الفتن، حتى قال لرفقائه: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم لتحولوا إلى غير داركم.
وكان معهم حينما قال ما قال شاب مؤمن قوي الإيمان: زيد بن أرقم لم يصبر على هذا الهراء حتى أبلغ الخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدعا - صلى الله عليه وسلم - ابن أبي، وسأله عن ذلك، فحلف أنه لم يقل شيئًا مما بلغه، فأنزل الله سورة المنافقين، وفضحه إلى يوم الدين.
وكان ابن هذا المنافق - واسمه أيضًا عبدالله - مؤمنًا خالصًا، فوقف على نقب المدينة مستلًا سيفه، وقال لأبيه رأس المنافقين: والله لا يجوز من ههنا حتى يأذن لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه العزيز وأنت الذليل، وبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إليه أن يأذن له، فخلى سبيله وبهذه الحكمة انتهت هذه الفتنة.
2 -الحادثة الثانية: قول المنافقين بالإفك:
وحديث ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نزل في عودته من تلك الغزوة منزلًا حين دنا من المدينة، ثم آذن بالرحيل ليلًا، وكانت معه عائشة - رضى الله عنها -، فخرجت لحاجتها، فلما رجعت التمست صدرها فرأت أنها فقدت عقدها، فرجعت تلتمسه في الموضع الذي فقدته فيه حتى وجدته، وارتحل الجيش، وحملوا هودجها على بعيرها ظنًا منهم أنها فيه، ولم ينكروا خفة الهودج لكونهم جماعة، ولكونها خفيفة، ورجعت عائشة إلى منازلهم فلم تجد أحدًا، فقعدت هناك على أنهم سيفقدونها فيرجعون في طلبها إلى هذا المكان، فغلبت عيناها حتى نامت.
وكان أحد الصحابة - وهو صفوان بن المعطل السلمي - رضي الله عنه - قد بات من وراء الجيش، وكان كثير النوم فلم يستيقظ إلا مؤخرًا، فسلك سبيل الجيش، فلما رأى سواد إنسان نائم، فلما قرب منه عرف أنها عائشة، لأنه كان رآها قبل الحجاب، فقال: أنا لله وإنا إليه راجعون، زوجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ لم يقل كلمة