فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 282

غير ذلك، واستيقظت عائشة - رضى الله عنها - بسماع صوته، فخمرت وجهها بجلبابها، وقرب صفوان راحلته، وأناخها فركبت، وأمسك هو زمام الناقة يمشي أمامها، حتى وصل إلى الجيش، وهم نازلون في نحر الظهيرة.

ولما رأى ذلك عدو الله ابن أبي وجد متنفسًا من كرب النفاق والحقد، فاتهمها بالفجور إفكًا وزورًا، واخذ يستحكي ذلك، ويستوشيه، ويجمعه ويفرقه، ويشيعه ويذيعه، وكان أصحابه يتقربون به إليه، فلما قدموا المدينة أفاضوا فيه، حتى انخدع عدد من المؤمنين.

ومرضت عائشة - رضى الله عنها - حين قدمت المدينة، وطال مرضها نحو شهر، فكانت المدينة تموج بقول أهل الإفك، وهي لا تعلم شيئًا، وإنما كان يريبها أنها لم تكن ترى اللطف الذي كانت تراه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين تشكتي، فكان - صلى الله عليه وسلم - يدخل عليها فيسلم ويقول: كيف تيكم؟ ثم يرجع ولا يجلس عندها.

وكان - صلى الله عليه وسلم - طوال هذه الفترة ساكتًا لا يتكلم، فلما استلبث الوحي طويلًا استشار أصحابه، فأشار علي بن أبي طالب بفراقها تلويحًا، وأشار أسامه وغيره بإمساكها، وأنها كالتبر الخالص، فقام - صلى الله عليه وسلم - على المنبر واستعذر من رجل بلغ أذاه في أهله - وكانت الإشارة إلى عبدالله ابن أبي - فأظهر سيد الأوس رغبته في قتله، فأخذت الحمية سيد الخزرج، لأن ابن أبي كان منهم، فتثاور الحيان حتى خفضهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وخرجت عائشة رضى الله عنها ذلك اليوم لحاجتها ليلًا، وقد نقهت من المرض، ومعها أم مسطح، فعثرت في مرطها، فدعت على ابنها مسطح، فاستنكرت ذلك عائشة، فأخبرتها الخبر، وأن ابنها ممن يقول بقولهم، فرجعت عائشة فاستأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأتت أبويها، فلما تأكد لديها الخبر جعلت تبكي وتبكي حتى بكت ليلتين ويومًا، لم تكتحل أثناءها بنوم، ولم يرقأ لها دمع، حتى ظنت وظن أبواها أن البكاء فالق كبدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت