وجاءها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صباح الليلة الثانية فجلس وتشهد وقال:
أما بعد يا عائشة! فإنه بلغني عنك كذا كذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه.
وحينئذ قلص دمعها، وقالت لكل من أبويها أن يجيبا، فلم يدريا ما يقولان، فقالت: والله لقد علمت لقد سمعت بهذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به، فلئن قلت لكم أني برئية - والله يعلم أني بريئة - لا تصدقونني، ولئن اعترفت لكم بأمر - والله يعلم أني منه بريئة - لتصدقوني، فوالله لا أجد لي ولكم مثلًا إلا كما قال أبو يوسف: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} .
ثم تحولت واضطجعت، ونزل الوحي ساعته، فسرى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال:"يا عائشة! أما الله فقد برأك". فقالت لها أمها: قومي إليه، فقالت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله.
والذي أنزله الله - تعالى - في براءتها عشر آيات في سورة النور بداية من قوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .
إلى آخر الآية العشرين:
ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس فخطبهم، وتلا عليهم ما أنزل الله من براءتها، فلما نزل أمر برجلين وأمرأة من المؤمنين الخالصين فجلدوا، كل واحد ثمانين جلدة، وهم: حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثه، وحمنة بنت جحش، زلت أقدامهم فأفاضوا في الإفك، وأما رأس المنافقين الذي تولى كبره، ورفقته، فلم يعاقبوا في هذه الحياة الدنيا، ولكنهم سيقفون بين يدي الله يوم الدين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.