أو العمرة أو كليهما. وقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة، ولأحللت، فحل من لم يكن معه هدي.
ثم توجه - صلى الله عليه وسلم - يوم التروية - وهو اليوم الثامن من ذي الحجة - إلى منى، وأحرم للحج كل من كان قد حل، فصلى بمنى خمس صلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، وصلى الرباعية منها ركعتين قصرًا، ثم أجاز من منى بعدما طلعت الشمس حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، فلما زالت الشمس ركب القصواء وأتى وادي عرنة وقد اجتمع الناس حوله فقام فيهم خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، وتشهد، وأوصى بتقوى الله، ثم قال فيما قال:"أيها الناس! اسمعوا قولي. فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا، وأن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شئ من أمور الجاهلية موضوع تحت قدمي، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث [وكان مسترضعًا في بني سعد فقتله هذيل] وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربنا ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، واتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله. وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس:"اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد"!"
وقد بين في هذه الخطبة عدة أمور أخرى، فلما فرغ منها نزل عليه قوله تعالى" {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} . فكان يوم نعمة وسعادة وشكر."
وأذن بلال بعد الخطبة ثم أقام فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس الظهر ركعتين، ثم أقام فصلى العصر ركعتين، جمعهما في وقت الظهر جمعًا مقدمًا. ولم يصل بينهما شيئًا. ثم أتى الموقف فجعل بطن ناقته إلى الصخرات، واستقبل القبلة، فلم