ورآه ابنا ربيعة في هذا الحال فأخذتهما رقة. وأرسلا إليه بقطف من عنب مع مولى لهم نصراني اسمه عداس، فلما مد النبي - صلى الله عليه وسلم - يده ليتناوله قال: بسم الله"ثم أكل. فقال عداس، هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد"
فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم:"من أي البلاد أنت؟ وما دينك؟"
فقال: نصراني، من أهل نينوي.
فقال:"من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟"
فقال: وما يدريك ما يونس بن متى؟
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"ذاك أخي كان نبيًا وأنا نبي". وقرأ عليه قصة يونس - عليه السلام - من القرآن، فأسلم عداس على ما يقال.
ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الحائط، وتقدم في طريقه إلى مكة، وهو كئيب حزين مهموم، حتى إذا بلغ قرن المنازل، أظلته سحابة فيها جبريل ومعه ملك الجبال، فرفع - صلى الله عليه وسلم - رأسه، فناداه جبريل، قال: أن الله بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت. ثم سلم ملك الجبال وقال: يا محمد! ذلك، فما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين - وهما جبلا مكة: أبو قبيس والذي يقابله - فقال - صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا.
وأفاق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من همه بمجئ هذا النصر، وتقدم في طريقه إلى مكة حتى نزل بنخلة، وأقام بها أيامًا، وأثناء إقامته بها صرف الله إليه نفرًا من الجن يستمعون القرآن، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين، وقد آمنوا به، ولم يشعر بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزل بذلك القرآن: آيات من سورة الأحقاف، وآيات من رسول الجن.
وبعد أيام خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نخلة يريد مكة، وهو يرجو من الله الفرج والمخرج، ويخشى من قريش الشر والبطش، فأحب أن يحتاط لنفسه، فلما دنا من مكة مكث بحراء، وبعث رجلًا إلى بن شريق ليجيره، فأعتذر بأنه حليف، والحليف لا يجير، فأرسل إلى سهيل بن عمرو، فاعتذر بأنه من بني عامر بن لؤي، وهم لا يجيرون على بني كعب بن لؤي، فأرسل إلى المطعم بن عدي، وهو من بني نوفل بن عبد مناف أخي هاشم بنم عبد مناف جد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعبد مناف أعز بطن