النسيء الذى حرمه الله تعالى بقوله: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [1] ، والآخر: أنّ الصَفَر مرض في البطن، يصيب الماشية والناس، وكان العرب في الجاهلية يعتقدون أنه دودة أو حيّة تَعضّ الإنسان، وتهيج عند الجوع وربما قتلت صاحبها، ويعتقدون أنها أعدى من الجرب، فأبطل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم: بنفي وجودها وكونها تُعْدِي, وفي الاستذكار:"وأما قوله: (ولا صَفَر) فهو من الصُّفَار يكون بالإنسان حتى يقتله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يقتل الصُّفَار أحدًا" [2] ، والصُّفَار هذا قيل: هو دود يكون في البطن والأضلاع فيَصْفَرُّ عنه الإنسان جدًّا، وقيل: ماء أصفر يجتمع في البطن، يُعَالَج بقطع النائط، وهو عرق في الصلب [3] فعلى المعنى الثاني يكون قولا ثالثا في معنى الصَّفَر.
واختار أبو عبيد القول بأنّه مرض في البطن وقال [4] :"ولم يقل أحدٌ منهم في الصفر أنّه من الشهور غيرُ أبي عبيدة [5] ", واختار محمد بن أبي نصر [6] القول الثاني فقال:"والوجه: أنه من تأخيرهم المحرم إلى صَفَر" [7] , وقول أبي عبيد في نظر البحث أصوب؛ لأن الحديث كله في نفي العدوى والتشاؤم وما شابههما, ورجّحه النووي فقال:"وهذا التفسير هو الصحيح وبه قال أبو عبيد وخلائق من العلماء وقد ذكره مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه راوي الحديث فيتعيّن اعتماده, ويجوز أن يكون المراد: هذا, والأول جميعًا" [8]
(1) التوبة: 37
(2) الاستذكار: 27/ 56.
(3) الصحاح: 593، ولسان العرب: 4/ 533.
(4) غريب الحديث لابن سلام: 1/ 25
(5) معمر بن المثنى التيمي بالولاء، البصري، النحوي من أئمة العلم بالأدب واللغة والحديث، قال الجاحظ:"لم يكن في الأرض أعلم بجميع العلوم منه"وقال أبو حاتم:"كان مع علمه إذا قرأ البيت لم يقم إعرابه ووزنه"من تصانيفه: (معاني القرآن) و (غريب الحديث) و (الأمثال) , مات بالبصرة سنة: (209) . ينظر: بغية الوعاة: 2/ 295, والأعلام: 7/ 272
(6) الحافظ محمد بن فتوح بن عبد الله الأزدي الحميدي، أبو عبد الله بن أبي نصر, أصله من قرطبة, مؤرخ, محدث، ظاهري المذهب, وهو صاحب (ابن حزم) وتلميذه, أقام ببغداد وتوفي بها (سنة: 488) , من مصنفاته: الجمع بين الصحيحين, وتفسير غريب ما في الصحيحين. (الأعلام: 6/ 327)
(7) تفسير غريب ما في الصحيحين: 220
(8) شرح النووي 14/ 214، والديباج: 5/ 236، وينظر: شرح الزرقاني 4/ 424.