المعرفة بمعنى: العلم، قال ابن فارس:"النون والكاف والراء أصل يدل على خلاف المعْرِفة التي يسكن إليها القلب" [1] فالمعروف في أصل كلامهم هو المعلوم، والمنكر هو المجهول وقد تكرر اللفظان بهذه الدلالة في أشعارهم [2] ، والمعروف: العُرف، وهو كل ما تعارف عليه الناس وسكنت إليه نفوسهم من الأفعال والعادات المستحسنة، كالبذل والجود والخُلُق الرفيع ونحو ذلك، وضده: المنكر [3] .
وبقي المعروف في الاستعمال الاسلامي يحمل دلالة جامعة لخصال الخير، وضده المنكر، قال ابن الأثير:"المعروف: اسم جامع لكل ما عُرِف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات وهو من الصفات الغالبة، أي: أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه والمعروف النصفة وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم من الناس والمنكر ضد ذلك جميعه" [4] .
وإذا كان معيار المعروف والمنكر قبل الإسلام يخضع لما ترتضيه البيئة المعينة، فإن مقياسهما في العرف الإسلامي هو شرع الله المحكم، ولذلك قال بعضهم:"المعروف ما عُرِف من الشارع حُسنه" [5] ويؤيّد ذلك سياق استعمال اللفظين في الأمثال النبوية، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لاَ طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ) [6] ، فجعل ما يقابل المعروف: معصيةً، وفي مثل القلوب إذا عُرِضت عليها الفتن قال: (وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) [7] ، فعلامة القلب المغلوب بالفتن هو أن يجعل هواه معياره في المعروف والمنكر لا التعاليم الشرعية, ولا شك أن المعروف والمنكر بهذا المفهوم يختلف عن مفهومهما قبل الإسلام [8] .
(1) مقاييس اللغة (نكر) 1009
(2) ينظر: المفضليات: 211، والأغاني: 18/ 20، والتطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن: 310
(3) ينظر (عرف) في: مقاييس اللغة: 732, والصحاح: 694، ولسان العرب:9/ 286.
(4) النهاية (عرف) 3/ 216، وعمدة القاري: 1/ 155، وتحفة الأحوذي: 6/ 101.
(5) عمدة القاري: 1/ 155.
(6) البخاري: 6/ 2649 ومسلم: 3/ 1469
(7) مسلم: 1/ 128
(8) ينظر: التطور الدلالي بين لغة الشعر الجاهلي ولغة القرآن: 313