أن سَقَطَتْ بغداد سنة 656 هـ في أيدي التتار الذين أحرقوا كثيرًا من الكتب ... ، وفَرَّ العلماء إلى مصرَ وقد وَقَفَ ملوكُها أمامَ التّتار، واتجهَ العلماءُ إلى إنقاذ التّراث الإسلاميّ من الضياع والوحشة، وذلك بجمع النصوص في كتب كثيرة على شكل موسوعات» [1] . وينطبق هذا على (نفائس الأُصول) إلى حَدّ بعيد؛ فقد ذَكَرَ القرافيّ في مقدّمته أنَّهُ جَمَعَ لكتابتِهِ نَحوَ ثلاثينَ تصنيفًا في الأُصول للمتقدّمينَ والمتأخّرينَ، وأنَّه ألزمَ نَفسَهُ «بيان مُشْكله، وتقييدَ مُهْمَلِهِ، وتحريرَ ما اختلَّ مِن فَهْرَسَةِ مسائِلِهِ، والأسئلة الواردة على متنه» [2] .
وإذا علمنا أنَّ كتاب (المحصول) للرازيّ (606 هـ) عَمَلٌ أُصوليّ كبير، يَضُمُّ بينَ دفتيهِ مباحثَ جليلةً في علوم مختلفةٍ تَمُتُّ بِصِلاتٍ وثيقةٍ إلى عِلم أُصول الفقهِ، مثل: علوم اللُّغة، والكلام، والفقه، فلابُدَّ أن نستنتجَ أنَّ شرحَ هذا الكتابِ (نفائسَ الأُصولِ) ستتنّوع مجالاتُ البحث فيه، وتتعدّد مصادرُهُ، تَبَعًا لأصله (المحصول) ، ولاسيّما أنَّ مؤلِّفَه القرافيّ معروف بتنوّع اهتماماتِهِ وتعدّد ثقافاتِهِ، وهو الأمرُ الذي أضفى عليه قيمةً فوقَ قيمةِ أصلِهِ.
وعلى عادة القرافيّ في كلّ تأليفاته، اعتنى اعتناءً واضحًا في (نفائس الأُصول) بإيراد الكثير من الفروق اللّغويّة، ولكنَّ دورانهُ في فَلَك (المحصول) جَعَلَهُ مُقَيَّدًا بمادّتِهِ، لا يحيدُ عنها كثيرًا، غيرَ أنَّ ذلك لم يَمْنَعْهُ من اهتبال الفرصة متى سَنَحَتْ للكشف عن الفروق اللّغويّة المختلفة، بحسب ما يحتملُهُ المقامُ. ويمكن تصوّر مدى اهتمام القرافيّ بالفروق اللّغويّة في هذا الشرح باستعراضِ الموادَّ الخاصّة بهذا الكتابِ في الباب الثّاني من هذا البحث.
ولمّا كان (نفائس الأُصول) شرحًا للمحصول، ومتابِعًا له في منهجه العامّ، رَأيتُ أنَّ الحديثَ عن أثر منهج الكتابة الأُصوليّة في منهجيّة معالجة الفروق اللّغويّة أليقُ برسالة القرافيّ (تنقيح الفصول في علم الأُصول) منه بـ (نفائس الأُصول) ، فَجَعَلْتُهُ ثَمَّ.
(1) الدّراسات اللّغويّة في مصر من القرن الخامس إلى القرن التّاسع الهجريّ: 55.
(2) نفائس الأُصول في شرح المحصول: 1/ 91.