فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 462

على أنّي أُحِبُّ أن أُشيرَ هنا إلى قضيّة مهمّة امتاز بها القرافيّ عن صاحب (المحصول) ؛ وهي أنَّهُ على الرّغم من أنّهما يُصنَّفَان في مدرسةٍ أُصوليّة واحدة، هي مدرسةُ المتكلِّمينَ [1] ، اختلَفَتْ مشاربُهُما في معالجة الكثير من القضايا الأُصوليّة، تَبَعًا لاختلاف الثقافة المكونة لشخصيّتيهما العلميّتينِ؛ فبسببِ طغيان التوجّه الفلسفيّ الكلاميّ على شخصيّة الرّازيّ الأُصوليّة، وتفوّقِهِ على التوجّه اللُّغويّ فيها، نراه - مثلًا - يَذهَبُ في (المحصول) إلى ظنّيّة الدّليل اللفظيّ، لتعرُّض ذلك الدّليل - عنده - لما أسماه الأُصوليّون بالاحتمالات العشرة التي تُخِلُّ بالفهم [2] . وقد ذَكَرَ محقِّق (المحصول) الدكتور طه العلوانيّ أنَّ الرّازيّ صَرَّح في بعض كتبه الكلاميّة «بأنَّ الدّليل اللّفظيّ لا يفيد اليقين إلاّ عند تيقّن أمور عشرة؛ هي: عصمةُ رواة مفردات تلك الألفاظ، وإعرابُها وتصريفُها، وعدَمُ الاشتراكِ، والمجازِ، والنقلِ، والتّخصيصِ بالأشخاصِ والأزمنةِ، وعَدَمُ الإضمارِ، والتّأخيرِ والتّقديمِ والنّسخِ، وعَدَمُ المُعارِضِ العقليّ [3] .

وكلام الرّازيّ المذكور موجود في (كتاب الأربعينَ في أُصول الدّين) [4] ، ولكنَّهُ عَقَّبَ عليه بأنَّ الدّليل اللّفظيّ قد يفيدُ اليقينَ إذا اقترنَتْ به أمور تنفي عنه هذه الاحتمالاتِ العشرة [5] .

وقد شاعَ الكلام على الاحتمالاتِ العشرة عند متأخِّري الأُصوليّينَ، بعدَ أن سَرَى إلى الأُصول من الفلسفة، وهو تدقيق لا يعرفُهُ أهل العربيّة، ولا يرضاه المحقِّقونَ من أهل الشّريعة [6] .

(1) وهي مدرسةٌ تَنهجُ نهجًا عامًا في تقرير القواعد، من غير تقييد بمذهب معين. وطريقةُ أصحابِها منطقيّة؛ يقيمون البراهينَ العقليّة، والحجَجَ النقليّة لإثباتِ القاعدة العامّة، ويُقَررونَها أصلًا كلّيًّا عامًّا يُرْجَعُ إليه في تصحيح الجزئيّات من غير اعتبار مَذهبي، لأنَّ رائدهم في ذلك هو التوصل إلى أقوى القواعد. وهم يَعُدّون تلك القواعد حاكمةً على الفقه ومسائِلِهِ، وليست خاضعةً له. (ينظر: منهج المتكلّمينَ في استنباط الأحكام الشرعيّة: 57) .

(2) ينظر: المحصول في علم أُصول الفقه، ج 1/ق 1/ 546 - 547.

(3) ينظر: حاشيّة المحصول في علم أُصول الفقه: ج 1/ق 1/ 575.

(4) ينظر: 416 - 418.

(5) ينظر: كتاب الأربعين في أُصول الدّين: 418.

(6) ينظر: علم أُصول الفقه وعلاقته بالفلسفة الإسلاميّة: 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت