فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 462

وأمَّا القَدَر؛ فهو: الإرادة المتعلّقة بما فيه مقدار من الأجسام، أو عَدَد من الأعراض، وهو جائز على الله تعالى.

وأمَّا العناية؛ فهي: الإرادة المتعلّقة بالشيء على نوع من الحَصْر والتخصيص؛ ولذلك قالت العرب: (إياكِ أعني، واسمعي يا جارة) ، أي: أخصُّكِ دون غيرك، ولم يُقَلْ: إياك أُريدُ ... وبهذا التفسير، هو جائز على الله تعالى، غيرَ أنَّ أسماءَ الله توقيفيّة؛ فلا يقال لله تعالى: عانٍ، وإن قيل: مُقَدِّرٌ، ومُريد.

وأمَّا المشيئة، فالظاهر أنَّها مرادفة للإرادة. وقال الحنفيّة: هي مباينة، وجعلوها مشتقّةً من (الشيء) ، والشيء اسم لموجود، حتّى قالوا: إذا قال الحالف: إن شئتُ دخولَ الدّار فعبدي حرّ، فأرادَ الدخولَ للدّار، لا يُعْتَق عبدُهُ حتّى يَدْخُلَ الدّارَ، ولا يكفي إرادة دخول الدّار حتّى يدخلَها؛ بناءً على أنَّ المشيئة مشتقّة من (الشيء) . ووقع في ذلك بيني وبينهم بحث كبير، وأطنبنا في كشف كتب اللغة، فلم نجد للمشيئة معنًى إلا الإرادة، فالظاهر الترادف. وهي جائزة على الله تعالى، كالإرادة ... فهذه التعابير والتغايرات بين هذه المعاني العشرة يساعد عليها الاستعمال والأُصول الموجبة لعدم الترادف، فتلخَّصَ أنَّ النيّة غيرُ التسعة الباقية؛ لِما ذَكَرَ فيها من الخصوصيّة المتقدّمة، وخصوصيّات كلّ واحد من التسعة المفقودة في النيّة، فيَجْزِم الناظر بالفرق حينئذٍ، ولا يضرّ كون الاستعمال قد يتوسّع فيه؛ فيستعمل (أراد) ، ومرادهُُ: (نوى) ؛ و (أرادَ) ، ومرادُهُ: (عَزَمَ) ، أو (قَصَدَ) ، أو (عَنَى) ؛ فإنّها متقاربة المعاني، حتّى يكاد يُجْزَم بينها بالترادف. غير أنَّ زين الدين ابن مصطفى من المغاربة، والقاضي شمس الدين الحَوْفيّ [1] ، وجماعة من أهل العراق، تعرّضوا للفرق بينها، وهو أولى من الترادف، تكثيرًا للفوائد اللّغويّة.» [2] .

(1) عثرت على ترجمتين لمن يمكن أن يكون هو المقصودَ هنا؛ أولاهما تتحدث عن: علي بن إبراهيم بن سعيد، أبي الحسن النحوي، الحَوْفيّ المصري. عالم بالنحو والتفسير، قيِّم بعلل العربيّة. صَنَّفَ في النّحو مصنَّفًا كبيرًا استوفى فيه العلل والأُصول، وتصنيفًا كبيرًا في إعراب القرآن. عاش إلى ما بعدَ الأربعمئة. (ينظر: إنباه الرواة: 2/ 219 - 220) . والترجمة الأُخرى تتحدث عن: أبي القاسم أحمد بن محمّد بن خَلَف = = الحَوْفي الإشبيلي المالكيّ. فقيه حافظ، له في الفرائض تصانيف مختلفة، اسْتُقْضِيَ بإشبيلية مرتين. توفي سنةَ ثمانٍ وثمانينَ وخمسمئة (588 هـ) . (ينظر: الفكر السامي: 4/ 266) .

(2) الأُمنية في إدراك النيّة (في حقيقة النيّة) : 8 - 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت