فهرس الكتاب

الصفحة 315 من 462

الكلامِ في كلامٍ آخرَ مغاير لأوّل الكلام، ثم استثنى عقب ذلك، فإنَّهُ يضرّ بالاتّصال، لأنَّ العُرْفَ يَعُدُّ ذلك تركًا ... فينتفي شرط الاتِّصال.» [1] .

2. «أنَّ الاستثناء لا يجوز في الشّريعة ولا في لسان العرب أن يَرْفَعَ جميع المنطوقِ بِهِ ويُبْطِلَ حُكْمَهُ، نحو: له عندي عشرةٌ إلاّ عشرةً - بالإجماع، ويجوز أن يَدْخُلَ الشّرطُ في كلامٍ يُبْطِلُ جميعَهُ بالإجماع، كقوله: أنتنَّ طوالقُ إن دَخَلْتُنَّ الدّارَ، فلا تَدْخُل واحدة منهنّ، فيبطل جميع الطّلاق فيهنّ، و: أكْرِمْ بني تميم إن أطاعوا اللهَ، أو: إن جاؤوك، فلا يَجيءُ أحَدٌ، فَيبْطُلُ جميعُ الأمرِ بسبب هذا الشّرط، ولولا هذا الشّرط لَعَمَّ الحُكْمُ الجميعَ.» [2] . وعَلَّلَ القرافيّ هذا بقوله: «وأمَّا إبطال جميع الكلامِ بالشّرط؛ فلأنَّ الإبطال حالةَ النّطقِ به غيرُ معلوم؛ فقد قع الشّرط في الجميع فلا يَبْطل من الكلام شيء، وقد يفوت الشّرطُ في الجميع فيَبْطُلُ الجميعُ، وقد يفوت في البعض فيبطل البعض دون البعض، فهذه الأقسام كلها مُحْتَمَلَةٌ حالةَ النّطقِ، ولم يتعيّن منها الإبطال لا للكلّ ولا للبعض، بخلاف الاستثناء الوارد على جميع الكلام؛ يُعَدُّ النّاطقُ به نادمًا، مُقْدِمًا على الهذر من القول وما لا فائدةَ فيه، ولا يقولُ أحدٌ ذلك في الشّرط لعدم تَعَيُّنِهِ، وهذا فرق عظيم بينهما في الإبطال وعَدَمِهِ.» [3] .

وهذا الفرق مبنيّ على أنَّهُ لا يجوز أن يكون الاستثناء مُسْتَغْرِقًا للمستثنى منه، وهو مذهب الجمهور. وأمَّا الحنفيّة؛ فقد ذهبوا إلى التّفصيل في ذلك؛ «قالوا: إن كان الاستغراق بلفظ المستثنى منه أو ما يساويه، فلا يجوز، فهم في ذلك مع الجمهور. وإن كان بغير ذلك فيجوز، كما إذا قال: عبيدي أحرارٌ إلاّ هؤلاءِ، مشيرًا إلى جميع عبيده ... وَوَجَّهَ الحنفيّةُ قولَهم المذكورَ بأمرين؛ أوّلًا: أنَّ امتناعَ الاستغراق في الاستثناء مبنيّ على اتّحاد لَفْظَيّ المستثنى والمستثنى منه، أو قُرْبِ اتّحادهما، وأمَّا إذا لم يوجَد شيءٌ من ذلك فلا مانع من الجواز. ويُرَدُّ هذا الاستدلالُ بأنَّ عدم صحّة الاستغراق في الاستثناء ناتج عن أنَّ الكلام

(1) مباحث التّخصيص عند الأُصوليّين: 155.

(2) أنوار البروق في أنواء الفروق: 1/ 215.

(3) أنوار البروق في أنواء الفروق: 1/ 215 - 216.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت