وخالف في إفادة الخبر المتواتر العلم فرقة من عبدة الأصنام يقال لهم: السُّمَنيَّة الذين حصروا العلم في الحواس [1] . وهذا مذهب باطل؛ لأنه لا يختلف اثنان في بلدة تسمى مكة وأخرى تسمى بغداد وإن لم يدخلاهما.
وقد نبّه الله سبحانه وتعالى في مواضع من كتابه على إفادة المتواتر العلم اليقيني، حيث جعله بمنزلة الرؤية البصرية، فخاطب الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وغيرهم بأمثال قوله تعالى: (( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ) ) (الفيل: 1) ، وقوله: (( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ) ) (الفجر: 6) ، وقوله: (( أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ ) ) (الأنعام: 6) .
فإن هذه الوقائع معلومة عندهم بالتواتر، فعبَّر عن علمها برؤيتها، وفيه إشارة إلى أنه جعل العلم الحاصل من المتواتر بمنزلة المشاهد في القطعية [2]
1 -الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة، للسيوطي.
2 -قطف الأزهار له، وهو مختصر من الذي مثله.
3 -نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني.
إشكال:
عرفنا في شروط المتواتر أنه لا بد أن يخبر به عدد يحصل بهم العلم من غير حصر. فهل معنى هذا أننا لا نعرف اكتمال العدد حتى يحصل العلم، ولا يحصل العلم إلا إذا كان اكتمل العدد فيلزم عليه الدور؟
جوابه ما جاء في: جامع الأصول لابن الأثير [3] ، والمستصفى للغزالي [4] .عدد المخبرين ينقسم إلى ناقص فلا يفيد العلم، وإلى كامل فيفيد العلم، وإلى زائد يحصل العلم ببعضه، والكامل وهو أقل عدد يورث العلم ليس معلومًا لنا، لكنا بحصول العلم الضروري نتبين كمال العدد، لا أنّا بكمال العدد نستدل على حصول العلم.
(1) - المستصفى للغزالي 1/ 132.
(2) - مقدمة فتح الملهم لشبير أحمد ص 11.
(3) - جامع الأصول 1/ 122.
(4) - المستصفى للغزالي 1/ 134 - 135.