معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث علم مهم لا ينهض به إلا الفحول من المحدثين والفقهاء، وهو من ضرورات الفقه والاجتهاد.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما مر على قاصٍّ: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت [1]
وقال الزهري: أعيى الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من منسوخه [2] .
ما يُعرفُ به النسخ:
1 -تصريح الرسول صلى الله عليه وسلم كحديث: (( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ) ). رواه مسلم [3] .
2 -يُعرَف بقول الصحابي، مثل حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنهما: (( كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار ) )، أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة [4]
3 -يُعرَف بالتاريخ، مثل حديث شداد بن أوس مرفوعًا: (( أفطر الحاجم والمحجوم ) )، أخرجه أبو داود وابن ماجه [5] . وحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: (( احتجم وهو صائم ) )البخاري [6] . بيَّن الإمام الشافعي [7] . أن الثاني ناسخ للأول لأن شدادًا كان مع النبي زمان الفتح سنة ثمان فرأى رجلًا يحتجم في رمضان فقال .. الحديث وابن عباس مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع سنة عشرة.
4 -يُعرَف بدلالة الإجماع كحديث: (( قتل شارب الخمر في الرابعة ) )أخرجه أبو داود وغيره [8] . قال النووي في شرح مسلم: دلّ الإجماع على نسخه [9] .اهـ. والإجماع لا يَنسخ ولا يُنسخ لكن يدل على ناسخ.
حكمة النسخ:
للنسخ فوائد جمّة لكن من أظهرها فائدتان:
1 -رعاية الأصلح للمكلفين تفضُّلًا من الله تعالى لا وجوبًا عليه. فمصالح الناس التي هي المقصود الأصلي من تشريع الأحكام تختلف باختلاف الأحوال والأزمان.
(1) - أخرجه أبو خيثمة في العلم ص 130، والبيهقي في السنن الكبرى 10/ 177، وذكره الحازمي في الاعتبار ص 60
(2) علوم الحديث لابن الصلاح ص 249، والسير للذهبي 5/ 346.
(3) - صحيح مسلم 7/ 46، والترمزي رقم 1054.
(4) - أبو داود 190، والنسائي 1/ 108، وأحمد 3/ 307، وابن خزيمة 1/ 28.
(5) - أبو داود رقم 2367، وابن ماجه 1680، والبيهقي 4/ 265.
(6) - البخاري رقم 1938
(7) - اختلاف الحديث في حاشية الأم 7/ 237.
(8) - أبو داود 4482، والترمذي 1444، والنسائي 8/ 313، وابن ماجه 2573.
(9) - شرح النووي على مسلم 11/ 217.