فهرس الكتاب
وإني أرجح ما ذهب إليه الجمهور القائلون بوجوب القطع بتوافر شرط النصاب لقوة أدلتهم وردهم أدلة المخالفين, فما دام أن المسروق مال قد بلغ نصاب القطع فإن القطع يتعين, ولا يمكن أن يعتبر المال الذي بلغ نصاب القطع تافهًا . ذلك أن النصاب هو القدر اللازم لإقامة الحد, فمع توافره لا يكون المال في حكم السرقة تافها, فضلا عن أن من الأموال التي عددها أبو حنيفة ومحمد باعتبارها تافهة أو مما يتسارع إليه الفساد, ما يعتبر عظيم القيمة تضن به الطباع, فلا يكون هناك مع ذلك وجه لدرء الحد في سرقة مثل هذه الأموال .
الفصل الرابع: الشروط المتعلقة بفعل السرقة .
1 ـ الشرط الأول: أن يكون الأخذ خفية:وهذا الشرط قال به جميع الفقهاء ( شرح فتح القدير ج5ص354 ، بداية المجتهد ج2ص408 ، حاشية قليوبي ج4ص186 ،المغني لابن قدامة ج10ص239 ،المحلى ج11ص395)
.لأن الأخذ خفية هو الذي يميز السرقة عن غيرها من جرائم الاعتداء على المال.
بيد أن الفقهاء اختلفوا فيما بينهم في اشتراط تمام الأخذ أو أنه يكفي مجرد الشروع فيه على قولين:القول الأول: يرى أنه يجب أن يكون الأخذ تامًا . وهذا مذهب جمهور الفقهاء من المالكية ( بداية المجتهد ج2ص408 ) والحنفية ( شرح العناية على الهداية ج 5 ص354) والشافعية ( مغني المحتاج ج4 ص171) والحنابلة ( المغني لابن قدامة ج10ص262 )
.فعندهم لتمام جريمة السرقة لابد أن يخرج السارق الشيء المسروق من الحرز الذي أعد له , ومن حيازة المجني عليه, وأن يدخله في حيازته. فإذا له تتوافر هذه العناصر الثلاثة, فالأخذ لا يعتبر تامًا بل ناقصًا . وهو ما يعبر عنه بالشروع في السرقة لا يستوجب القطع, واستدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
1ـ استدلوا بحديث جابر رضي الله عنه بقوله صلى الله عليه وسلم: ( ليس على المختلس و المنتهب والخائن قطع ) ( سنن النسائي ج 8ص86 )
فقالوا: إن هناك فرقا في المعنى بينهم وبين السارق . ذلك أن السارق يأخذ المال خفية ولا يأتي منعه, فشرع القطع زجرًا له, أما المختلس وغيره ممن وردوا بالحديث فلا قطع عليهم, مع أن الاختلاس نوع من الخطف يكون سرًا في بدايته, وهذا يعني اشتراط الأخذ في خفية تامة في جريمة السرقة ( مغني المحتاج ج4ص171)
2ـ الأخذ التام هو الذي يتحقق به معنى هتك الحرز, فإذا لم يتحقق هذا الانتهاك تحقيقًا كاملًا لا يثبت القطع, لأن القطع عقوبة كاملة فلا يوقع إلا إذا كانت الجريمة قد ثبتت متكاملة بتحقيق الأخذ والنقل من الحرز وانتهاك الحرمات .
القول الثاني: يرى أن السرقة تحصل بمجرد وضع السارق يده على الشيء المسروق ولو لم يخرجه من حرزه ويضمه إلى حيازته. وهو مذهب أهل الظاهر , وحكي عن عائشة والحسن البصري والنخعي. فهم يرون أن السرقة جريمة تامة لا شروع فيها, تحدث بمجرد وضع اليد على المسروق ولو لم ينقل من مكانه ( المغني لابن قدامة ج10ص250 ، المحلى ج 11ص 395 )
.واستدل أصحاب هذا القول بعموم قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) ( سورة المائدة آية 38)
الترجيح: وإني أرجح ما ذهب إليه الجمهور أصحاب القول الأول وذلك تمييزًا للسرقة عن غيرها, لأن وضع اليد عام يتحقق في كل جرائم الاعتداء على المال كالاختلاس والغصب والحرابة وغيرها.
2ـ الشرط الثاني:أن يكون الأخذ من حرز:الشروط المتعلقة بفعل الأخذ أن يكون الأخذ من حرز. و لم يرد نص في الشرع ولا في اللغة يعرفه.
وجرى اصطلاح الفقهاء على تعريف الحرز: بأنه الموضع الذي تحفظ فيه الأموال عادة بحيث لا يعد صاحبه مضيعا له بوضعه فيه كالدور والحوانيت وغيرها ( تفسير القرطبي ج6ص162)
وجاء في مختار الصحاح: أن الحرز هو الموضع الحصين . يقال: هذا حرز حريز , ويسمى التعويذ: حرزا. ويقال: احترز من كذا . واحترز منه أي توقاه ( مختار الصحاح ص130)
.وعلى ذلك فالحرز يرجع فيه إلى العرف, وهو يختلف باختلاف الأموال والأحوال, ويتفاوت بتفاوت الأزمان والبلدان . وحكى ابن المنذر إجماع العلماء على اشتراط الحرز ( مغني المحتاج ج4ص164)
وقد اختلف الفقهاء في اشتراط الحرز على قولين:
القول الأول: يرى أنه لابد من أن تكون السرقة من حرز, وهذا قول أكثر أهل العلم, وهو رأي عطاء والشعبي وعمر بن عبد العزيز وأبي الأسود الدؤلي وغيرهم من التابعين, وهو مذهب الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء من السلف والخلف . (حاشية ابن عابدين ج 3ص267 ، حاشية قليوبي ج 4ص 190، بداية المجتهد ج2ص411 ، المغني لابن قدامة ج 10ص 249 )
وقد استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
1ـ ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا قطع في ثمر ولا في حريسة جبل . فإذا آواه المراح أو الجرين, فلا قطع إلا فيما بلغ ثمن المجن ) ( سنن النسائي ج 8ص84)
ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت في هذا الحديث القطع في الثمر إذا سرق من جرينه وفي الحريسة إذا سرقت من مراحها , ونفاه من سرقتها قبل ذلك. فدل هذا على المراح حرز للحريسة ,والجرين حرز للثمر, واعتبار الأخذ من الحرز شرطًا لوجوب القطع, ولا فرق في ذلك بين مال ومال.