فهرس الكتاب
*** - قد يقول قائل أنت بنقلك الخلاف في الآية تبطل قولك أيضا لأنك تزعم الإجماع كذلك على كفر من يحكم بغير ما أنزل الله"فنقلك هذا يبطل كلا القولين …!!!"
فالجواب عن هذا:
هو أننا نقرر أن هناك صور متعددة للحكم بغير ما أنزل الله ونقرر أن لكل صورة حكم مختلف عن الأخرى فمنها ما هو معصية وكبيرة دون الكفر ومنها ما هو كفر أكبر بالإجماع فكان الخلاف موجه من قبّلنا كما أسلفت فيما سبق ، ولكن الأمر بخلاف ذلك عند الطرف الأخر فهو ملتزم بأن جميع صور الحكم معصية وكبيرة دون الكفر ويزعم الإجماع على ذلك فكان نقل الخلاف المتقدم مبطلا لقوله بلا شك . والله أعلم
فإن قيل وماذا عن إجماع الإمام ابن عبد البر رحمه الله ؟
-فالجواب: أن الإجماع الذي نقله الإمام ابن عبد البر هو على ظاهره من دون تحريف ولا تأويل ، فالجور في الحكم صورة من صور الحكم بغير ما أنزل الله تختلف عن صورة تشريع الأحكام المخالفة لشرع الله والحكم بها …..
-بل إن هذا الإجماع من أظهر الأدلة عليهم لو فقهوا ! كما سيأتي
-فالإجماع منعقد على أن الجور في الحكم من الكبائر وهذا لا خلاف فيه فنحن نقرره ونؤكده , لكن اختلافا في أن الجور في الحكم يتضمن جميع صور الحكم بما فيها التشريع العام فهذا باطل لا شك فيه ….
فالجور صورة من صور الحكم محتواها الجور والظلم في ترك تطبيق الأحكام الشرعية ويكون هذا مع التزام أصل التشريع والحكم به وهذا الجور لا يتضمن بحال صورة تغيير الأحكام .
-كما أن الإجماع منعقد كذلك على أن تبديل الشريعة ، وتحكيم غيرها ،وترك التحاكم إليها كفر أكبر مخرج من الملة .
-قال ابن كثير رحمه الله في كلامه عن الياسق:
-"فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر ، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه ؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين …" [ البداية والنهاية 13 / 119 ]
-فهذا إجماع صريح وواضح لا مجال لتحريفه ولا تأويله وما يفعله هذا الدعي وغيره في هذا الإجماع من تحريف وتلاعب مما ينبغي أن يستتاب منه لأنه تلاعب بأدلة الشرع وتحريف لها بل يخشى على صاحبه والعياذ بالله !!!
ويؤكد هذا الإجماع إجماع آخر نقله ابن عبد البر رحمه الله أيضا عن إمام السنة إسحاق بن راهويه رحمه الله قال فيه:
( وقد أجمع العلماء أن من سب الله عز وجل أو سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو دفع شيئا أنزله الله أو قتل نبيا من أنبياء الله وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله أنه كافر ) ا.هـ ( التمهيد لابن عبد البر ج: 4 ص: 226 )
فهذا إجماع آخر يعضد إجماع ابن كثير رحمه الله ويبطل كذلك فرية الإجماع الذي أرادوا أن يلبسوا به على الناس من أنه عام في كل صور الحكم …
-وليس معنى الدفع هنا الجحود أو الاستحلال لقوله رحمه الله"مقر بما أنزل الله"فمعنى أنه مقر بما أنزل الله أنه إن كان حكم الله بالوجوب فإقراره ينافي جحده وإن كان حكم الله بالحرمة فإقراره يعني عدم استحلاله فيبقى معنى الدفع وهو"الرد والامتناع عن القبول"
يقول الجصاص رحمه الله في قوله تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم الآية } :
( في هذه الآية دلالة على أن من يرد شيئًا من أوامر الله أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم أنه خارج عن دائرة الإسلام سواء رده من جهة الشك فيه أو من جهة"ترك القبول والامتناع عن التسليم") أ.هـ
ولكي يبطل هذا التعميم الجائر والذي لم يفرق بين صور الحكم بغير ما أنزل الله
أقول والله الموفق:
إن من القرائن المؤكدة على كون الجور في الحكم لا يتضمن بحال تغيير وتبديل الشرائع هو ما جاء عن أهل العلم في تقرير أصل من أصول أهل السنة والجماعة وهو عدم الخروج على أئمة الجور والصبر عليهم ،وهذا الأصل مقرر ومعروف عند أهل العلم وطلابه …………
1-جاء في مسائل الإمام أحمد في العقيدة ج: 1 ص: 72
( والصبر تحت لواء السلطان على ما كان منه من عدل أو جور ولا نخرج على الأمراء بالسيف وإن"جاروا")
وقال أيضا رحمه الله ج: 1 ص: 123
2- ( وأن الغزو مع الأئمة واجب وإن"جاروا")
3-قال الإمام الطحاوي رحمه الله:
( ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ولا ندعوا عليهم ولا ننزع يدا من) طاعتهم ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة.) الطحاوية
4-قال ابن عبد البر رحمه الله:
"وقد جاء عن إبن عباس وهو أحد الذين روى عنهم تكفير تارك الصلاة أنه قال في حكم الحاكم الجائر كفر دون كفر ……. ( التمهيد لابن عبد البر ج: 4 ص: 237) "
5-وقال الإمام النووي رحمه الله: ( شرح النووي على صحيح مسلم ج: 12 ص: 229)
( ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين ..)