فهرس الكتاب

الصفحة 1262 من 1664

هو المرحلة الأخيرة من مراحل الجهاد وهو لزوم البدء بالقتال للكفار (حسب الإمكان أو كل سنة مرة) وهنا هو جهاد الطلب وهو فرض كفاية كما يلزم جهاد الدفع عن المسلمين وبلادهم إذا نزل بها العدو وهذا فرض عين على أهل البلد المقصود ومن حوله على مسافة القصر وفرض كفاية على غيرهم حتى تحصل بهم الكفاية في الدفع ، وأما القول بأن الإسلام لم يعرف إلا الحرب الدفاعية وأن الأصل في معاملة الكفار هو السلم لا القتال قول محدث بدعة ضلالة ابتدعها المنهزمون روحيًا وعقليًا أمام ضغط الواقع المعاصر وقد خالفوا صريح الأدلة نحو قوله تعالى: ) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه ( ]الأنفال:39 [، وقوله تعالى: ) فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ( ] التوبة:5 [ ، وقول النبي صلي الله عليه وسلم"اغزوا في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله"[رواه مسلم] ، وقوله صلي الله عليه وسلم"أمرت أن أقاتل الناس …"الحديث .

وما أحسن ما كتبه الأستاذ سيد قطب -رحمه الله- في مقدمة سورة الأنفال والتوبة من الظلال في الرد على هؤلاء فراجعه (ظلال القرآن 1431-1443 وما بعدها) .

ولقد ظهرت بدع جديدة من إنكار وجوب قتال أهل الكتاب حتى يعطوه الجزية بل وتسمية الجزية ضريبة خدمة عسكرية تسقط إذا شاركونا القتال ، ويسعى هؤلاء الذين يسمون أنفسهم أصحاب الاتجاه الإسلامي المستنير إلى تعميم هذا المفهوم المنحرف لقضية الجهاد فضلًا عن إنكار جهاد الطلب وهذا خرق للإجماع بل لو أن طائفة استقر أمرها على ذلك لصارت طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يجب قتالها كما سيأتي بيانه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في فتوى التتار باتفاق أئمة المسلمين .

* هل هذه المراحل نسخ أم يُعمل بها عند الحاجة ؟

إذا كان الأمر على ما وصفنا من استقرار الأمر على المرحلة الأخيرة فما حكم المراحل السابقة هل زال حكمها بالكلية أم يعمل بها عند الحاجة. الحق أن أكثر السلف وأهل العلم صرحوا بنسخ آيات الصفح والصبر والكف ونحوها من المسالمة والموادعة ، وأنكر البعض النسخ كالزركشي حيث قال في البرهان (41:21-24) قسم بعضهم النسخ من وجه آخر إلى ثلاثة أضرب:-

الثالث: ما أمر به لسبب ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والمغفرة للذين لا يرجون لقاء الله تعالي ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والجهاد ونحوها ثم نسخه إيجاب ذلك هذا ليس بنسخ في الحقيقة وإنما هو نسئ كما قال تعالي: ) أَوْ نُنسِهَا ( ، فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون .

وفى حالة الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف .أهـ.

وذكر السيوطي هذا الكلام في الإتقان ولم ينسبه للزركشي (الإتقان:66) والحقيقة أن الخلاف بين الفريقين خلاف لفظي لا حقيقة له إذ مصطلح النسخ عند السلف يشمل التقييد والتخصيص وبيان الإجمال كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الإكليل (116) ، فالجميع تفق على أنه لا يكلف المستضعف الذي يشبه حاله حال رسول الله صلي الله عليه وسلم والمسلمين بمكة ما لا طاقة له به من القتال ، وقد سبق الزركشي غيره من أهل العلم بذلك.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول (صفحة221) فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذى الله ورسوله من الذين أوتو الكتاب والمشركين ، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الذين ، وبآية قتال الذين أوتو الكتاب حتى يعطوه الجزية عن يد وهم صاغرون قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ) وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا( ]الأنفال:61[ .

وقال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء والخراساني وعكرمة والحسن وقتادة أن الآية منسوخة بآية السيف في براءة )قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ ( ] التوبة:29[ ، وفيه نظر لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك فأما إذا كان العدو كثيفًا فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة وكما فعل النبي صلي الله عليه وسلم يوم الحديبية فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص ، والله أعلم .

قال القرطبي (2879-2880) قال ابن العربي: قد قال الله تعالى: ) وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ ( ]آل عمران:139[ .

فإذا كان المسلمون على عزة ومنعة وجماعة عديدة وشدة شديدة فلا صلح ، وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح لنفع يجتلبونه أو ضرر يدفعونه فلا بأس أن يبتدئ المسلمون إذا احتاجوا إليه وقد صالح رسول الله صلي الله عليه وسلم أهل خيبر على شروط نقضوها فنقض صلحهم وقد صالح الضمرى وأكيدر دومة وأهل نجران وقد هادن قريشًا لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التى شرعناها سالكة وبالوجوه التي شرحناها عاملة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت