فهرس الكتاب

الصفحة 1263 من 1664

وقال الشافعي t: لا تجوز مهادنة المشركين أكثر من عشر سنين على ما فعل النبي صلي الله عليه وسلم عام الحديبية فإن هودن المشركون أكثر من ذلك فهي منتقضة لأن الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية .

وقال ابن حبيب من المالكية: تجوز مهادنتهم السنة والسنتين والثلاث وإلى غير مدة .أهـ. ( والمقصود إلى أن يقوى المسلمون فينبذوا إليهم على سواء قبل قتالهم كما بينه ابن القيم في الزاد) .

قال ابن حجر في الفتح (7/198) : قال الشافعي: إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين جازت لهم مهادنتهم على غير شيء يعطونهم لأن القتل للمسلمين شهادة ، وإن الإسلام أعز أن يعطى المشركين على أن يكفوا عنهم إلا في حالة مخالفة اصطلام المسلمين لكثرة العدو لأن ذلك من معاني الضرورات وكذلك لو أسر رجل مسلم فلم يطلق إلا بفدية جاز .

قال ابن قدامة في المغني (8/ 459:461) : لا تجوز المهادنة مطلقًا من غير تقدير مدة لأنه يفضى إلى ترك الجهاد بالكلية وقال: وتجوز مهادنتهم على غير مال .

وأما إن صالحهم على مال نبذله لهم فقد أطلق أحمد القول بالمنع منه وهو مذهب الشافعي لأن فيه صغارًا على المسلمين وهذا محمول على غير حالة الضرورة فأما إذا دعت إليه الضرورة وهو أن يخاف على المسلمين الهلاك أو الأسر فيجوز ، ولأن بذل المال إن كان فيه صغار فإنه يجوز تحمله لدفع صغار أعظم منه وهو القتل والأسر وسبى الذرية الذين يفضى سبيلهم إلى كفرهم .

قال الشيباني في السير الكبير: وإذا خاف المسلمون المشركين فطلبوا موادعتهم فأبى المشركون أن يودعهم حتى يعطيهم المسلمون على ذلك مالًا فلا بأس بذلك عند تحقق الضرورة .أهـ. (92/16) .

وبهذه النقول كلها يتضح لك أنه لا خلف بين السلف أن العمل بالمرحل الأخيرة من الجهاد إنما هو حسب الإمكان والقدرة وأما مالا قدرة عليه فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ، وإلا عليهم الأخذ بأسباب القدرة حتى يزول عنهم هذا الاضطرار ، وهكذا يتضح لك أخي الكريم أن إنكار المرحلية بالكلية واعتبارها جنبًا وإلزام من يقول بها بأنه يدعو إلى ترك سائر الواجبات التي فرضت بعد المرحلة المكية غلو مخالف لكلام أهل العلم من المذاهب الأربعة وغيرهم ، والله أعلم .

* هل يقتصر معنى الضرر والعجز في الجهاد على المعنى الحسي؟

سبق أن نقلنا كلام أهل العلم عن سقوط وجوب الجهاد عن الأعمى والأعرج والصبيان والنساء والمرضى وعادم الأهبة والنفقة ونحوهم (راجع كلام النووي في المنهاج السابق ذكره) ، وذلك لقوله تعالى: ) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ( ] النور:61[

فهل تقتصر صورة الضرر على ذلك كما حاول البعض قصرها على ذلك أم أنه عند غلبة الظن بحصول الأذى الجسيم على طائفة من المسلمين من هزيمة وقتل وسبى وأسر من غير مصلحة راجحة تدخل في هذا المعنى كذلك .

لاشك أن هذه الصورة داخلة في معنى العجز وقد سبق في المسألة السابقة في كلام العلماء على حالة الضرورة واحتمال نوع من الصغار فيها لدفع صغار أعظم منه ، وقد دلت آيات سورة الأنفال على جواز ترك القتال إذا كان العدو يزيد على ضعف المسلمين .

قال تعالى: )الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ( ] الأنفال:66[ .

روى ابن جرير عن ابن عباس t قال: لما نزلت هذه ا لآية ثقلت على المسلمين وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين ومئة ألفًا فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى فقال: ) الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ( ]الأنفال:66[ فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم ينبغ لهم أن يفروا منهم وإن كانوا دون ذلك لم يجب عليهم أن يقاتلوا وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم .

قال الكاساني في بدائع الصنائع (7/98) : الغزاة إذا جاءهم جمع من المشركين مالا طاقة لهم به وخافوهم أن يقتلوهم فلا بأس أن ينحازوا إلى بعض أمصار المسلمين أو إلى بعض جيوشهم والحكم في هذا الباب لغالب الرأي ، وأكبر الظن دون العدد فإن غلب على ظن الغزاة أنهم يقاومونهم يلزمهم الثبات وإن كانوا أقل عددًا منهم وإن كان غالب ظنهم أنهم يغلبون فلا بأس أن ينحازوا إلى المسلمين ليستعينوا بهم وإن كانوا أكثر عددًا من الكفرة ، وكذا الواحد من الغزاة ليس معه سلاح مع اثنين منهم معهما سلاح أو مع واحد من الكفرة ومعه سلاح لا بأس أن يولى دبره متحيزًا إلى فئة.

قال النووي في روضة الطالبين: (10/274) قال الجمهور:

إذا التقى الصفان فله حالان:-

أحدهما: أن لا يزيد عدد الكفار على ضعف عدد المسلمين بل كانوا مثلي المسلمين أو أقل فتحرم الهزيمة والانصراف إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت