فهرس الكتاب

الصفحة 1264 من 1664

هذا الذي ذكرناه من تحريم الهزيمة إلا لمتحرف أو متحيز هو في حال القدرة أما من عجز بمرض ونحوه أو لم يبق معه سلاح فله الانصراف بكل حال ويستحب أن يولى متحرفًا أو متحيزًا فإن أمكنه الرمي بالأحجار فهل تقوم مقام السلاح وجهان أصحها تقوم .

ومن مات فرسه وهو لا يقدر على القتال راجلًا فله الانصراف ومن غلب على ظنه أنه إن ثبت قتل هل له الانصراف وجهان الصحيح المنع .

الحالة الثانية: إذا زاد عدد الكفار على مثلي المسلمين جاز الانهزام وهل يجوز انهزام مائة من أبطالنا من مائتين وواحد من ضعفاء الكفار وجهان أصحهما لا لأنهم يقاومونهم لو ثبتوا وإنما يراعى العدد عند تقارب الأوصاف ، والثاني نعم لأن اعتبار الأوصاف يعسر ، ويجرى الوجهان في عكسه ، وإن غلب على ظنهم أنهم إن ثبتوا ظفروا استحب الثبات ، وإن غلب على ظنهم الهلاك ففي وجوب الفرار وجهان قال الإمام: إن كان في الثبات الهلاك المحض من غير نكاية وجب الفرار قطعًا وإن كان فيه نكاية فوجهان أصحهما يستحب ولا يجب . وذكر ابن جزى الغرناطي المالكي في القواني الفقهية نحوًا من هذا (128) - ومما يعضد هذا قول موسى للإسرائيلي: ) إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ( ]القصص:18[.

قال القرطبي: لأنه يشاد كل يوم من لا يقدر عليه . وقال النبي صلي الله عليه وسلم في حديث نزول عيسى بن مريم عن يأجوج ومأجوج"فأوحى الله إلى نبي الله عيسى إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور".

فالواجب عند العجز عن القتال تحريز عباد الله المؤمنين وحفظهم لا مصادمتهم لعدو يصطلمهم ويهلكهم بغير مصلحة فالجهاد لا يعود على مقصوده وهو إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه وأهله بالنقض بقتل المسلمين وسبى نسائهم من غير مصلحة للمسلمين .

وأما قول من يقول أنه ليس بعد الكفر مفسدة فهو أعظم المفاسد قلنا نعم هو أعظم المفاسد من جهة النوع أما من جهة الكم فالزيادة عليه بالصد عن سبيل الله وأذية المسلمين مع استمرار الكفر وبقائه أعظم مفسدة وضررًا قال الله تعالى: ) الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ( ] النحل:88[ ، فكافر يؤذى المسلمين أشد خطرًا من كافر لا يؤذيهم .

* هل وجود الإمام شرط في وجوب القتال ؟

قال ابن قدامة في المغنى: (8/352-353) وأمر الجهاد موكول إلى الإمام ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك ، فإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد لأن مصلحته تفوت بتأخيره وإن حصلت غنيمة قسمها أهلها على موجب الشرع.

قال القاضي: ويؤخر قسمة الإماء حتى يظهر إمامًا احتياطًا للفروج.

قال النووي في المنهاج: يكره غزو بغير إذن الإمام أو نائبه .

قال الشربيني في الشرح: استثنى البلقيني من الكراهة صورًا

أحدهما: أن يفوت المقصود بذهابه للاستئذان .

ثانيهما: إذا عطل الإمام الغزو وأقبل وجنوده على أمور الدنيا كما يشاهد .

ثالثهما: إذا غلب على ظنه أنه لو استأذن لم يأذن له ، (مغنى المحتاج 4/220) .

فائدة:

قال ابن قدامة: قال أحمد لا يعجبني أن يخرج مع الإمام أو القائد إذا عرف بالهزيمة وتضييع المسلمين ، وإنما يغزو مع من له شفقة وحيطة على المسلمين فإن كان القائد يعرف بشرب الخمر والغلول يغزى معه إنما ذلك في نفسه .

ويروى عن النبي صلي الله عليه وسلم:"إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر".أهـ.

قال الجويني في غياث الأمم: (عند كلامه على خلو الزمان عن الإمام) أما من يسوغ استقلال الناس فيه بأنفسهم ولكن الأدب يقتضى فيه متابعة أولى الأمر ومراجعة مرموق العصر كعقد الجمع وجر العساكر للجهاد واستيفاد القصاص في النفس والطرف فيتولاه من الناس عند خلو الدهر عن الإمام طوائف من ذوى الخبرة والبأس .

وقال: فإذا شغر الزمان عن الإمام وخلا عن سلطان ذي خبرة وكفاية ودراية فالأمور موكولة إلى العلماء فحق على الخلائق على اختلاف طبقاتهم أن يرجعوا إلى علمائهم ويصدروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم.أهـ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطابًا مطلقًا كقوله تعالى: ) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا ( ]النور:2 [، وقوله تعالى: ) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ( ] النور4: [ ، وكذلك قوله: ) وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا( ] النور:4[ .

ولكن قد علم أن المخاطب بالفعل لابد أن يكون قادرًا عليه والعاجزون لا يجب عليهم وقد علم أن هذا فرض على الكفاية وهو مثل الجهاد بل هو نوع من الجهاد ، فقوله تعالى: )كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ( ]البقرة:216[.

وقوله تعالى: )وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ( ]البقرة:190 [ ، قوله تعالى: ) إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ ( ] التوبة:39[.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت