فهرس الكتاب
ونحو ذلك هو فرض على الكفاية من القادرين ، والقدرة هي السلطان فلهذا وجب على ذي السلطان ونوابه إقامة الحدود: قال ( والأصل أن هذه الواجبات تقام على أحسن الوجوه فمتى أمكن إقامتها من أمير لم تحتج إلى أينين ، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت ما لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها فإنها من باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر(34/175) .
قال ابن حجر في الفتح في شرح حديث غزوة مؤتة: قال الطحاوي: هذا الأصل يؤخذ منه أن على المسلمين أن يقدموا رجلًا إذا غاب الإمام يقوم مقامة إلى أن يحضر .
وكذا قال الخطابي وعنه البغوي: ومن هنا تعلم من هذه النقول من أئمة العلماء من المذاهب المختلفة أن وجود الخليفة ليس شرطًا في وجود الجهاد لأنه خطاب متوجه للمسلمين أصلًا والواجب على المسلمين أن يرجعوا إلى علمائهم في تقديم رجل منهم يقودهم في الجهاد بنوعيه الدفع والطلب ويلزمهم أن يجتمعوا ولا يفترقوا فإنه لا تحصل مصلحة الجهاد إلا بالاجتماع بل وسائر مصالحهم ولاشك أن من يشترط وجود الخلافة أولًا قبل الجهاد يلزمه أن ما جرى في أفغانستان وما يجرى في البوسنة وأريتيريا والفلبين وكشمير وسائر البلاد التي يقاتل فيها المسلمون أعداءهم يلزم أن كل هذا محرم غير مشروع وما أبطل من أن ينسب لأحد من علماء الإسلام.
وقد روى أبو داود في سننه عن عقبة بن مالك قال: بعث النبي صلي الله عليه وسلم سرية فسلحت رجلًا منهم سيفًا فلما رجع قال: لو رأيت مالا منا رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:"أعجزتم إذا بعثت رجلًا منكم فلم يمض لأمري أن تجعلوا مكانه من يمضى لأمري" [حسنه الألباني] .
* هل يشترط انفراد المسلمين بأرض ينطلقون منها في الجهاد ؟
ليس في كلام العلماء السابقين فيما اطلعنا عليه نصًا على مثل هذا الشرط ومن هنا اختلف المعاصرون في ذلك فمنهم من قال: لم يقاتل النبي صلي الله عليه وسلم إلا بعد وجود الأرض في المدينة ومنهم من قال: لا دليل على الاشتراط من مجرد الفعل وإنما كان المانع من القتال بمكة عدم القدرة والشوكة كما سبق بيانه، وقد ذكر العلماء شروط وجود الجهاد ولم يذكروا هذا الشرط بل صرحوا في حالة طروء الكفر على الإمام وردته ووجوب الخروج عليه إذا قدرت على ذلك طائفة أن ذلك يتعين عليها وهذا نوع من الجهاد.
قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل ، وقال: وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها. فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه وتنصيب إمام عدل إن أمكنهم ذلك ، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليها القيام بخلع الكافر ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه فإن تحققوا العجز لم يجب عليهم القيام وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه ، صحيح مسلم (12/299) ولاشك أن الخروج إنما يكون من الأرض التي هم فيها وهى مازالت تحت حكم الكافر. وإن كان المتأمل لتاريخ المسلمين قديمًا وحديثًا يرى أن حصول القدرة على القتال مرتبط إرتباطًا وثيقًا بوجود أرض تأوي المسلمين كما حدث في أفغانستان وغيرها ، فلهذا والله أعلم نرى أن اشتراط الأرض إنما هو الأغلب ضمن شرط القدرة وليس شرطًا مستقلًا .
قال النووي في شروط اعتبار الخارجين على الإمام أهل بغى:
الخصلة الثانية: أن يكون لهم شوكة وعدد وشرط جماعة من الأصحاب في الشوكة أن ينفردوا ببلدة أو قرية أو موضع في الصحراء ، والأصح الذي قاله المحققون أنه لا يعتبر ذلك وإنما يعتبر استعصاؤهم وخروجهم عن قبضة الإمام حتى لو تمكنوا من المقاومة وهم محفوفون بجند الإسلام حصلت الشوكة .أهـ. (روضة الطالبين 10/52) .
* أصناف من يقاتلون وأحكام قتالهم ؟
أولًا: الكفار وهم أنواع:
النوع الأول: اليهود والنصارى والمجوس: وهؤلاء يجب قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون لقوله تعالى: ) قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ( ]التوبة29[ صاغرون أي أذلاء . وقال النبي صلي الله عليه وسلم في المجوس"سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، وقد روى البخاري"أن رسول الله صلي الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر".
قال ابن قدامة في المغنى (8/362) : ولا نعلم خلافًا بين أهل العلم في هذين القسمين يعنى أهل الكتاب والمجوس في قبول الجزية منهم وإقرارهم على دينهم .