فهرس الكتاب
هذه الأنواع الثلاثة يلزم قتالهم باتفاق العلماء ، وأما الواحد المقدور عليه من الطوائف الثلاثة فقد بينا حكم المرتد والمرتدة ، وأما الكفار الأصليون فالرجال الأحرار البالغون يخير فيهم الإمام أو أمير الجيش تخيير مصلحة ويفعل الأحظ لأهل الإسلام من قتل أو من فداء بأسرى مسلمين أو مال أو استرقاق فإن خفي الأحظ حبسهم حتى يظهر وقيل لا يسترق وثنى وكذا عربي وهذا مرجوح ولو أسلم أسير عصم دمه وبقى الخيار في الباقي أفاده النووي في الروضة . وهذا في المقاتلين أما الرهبان والأجراء والشيوخ والعميان والزمني الذين لا يقاتلون ولا رأى لهم فقولان للعلماء: الجمهور على عدم جواز قتلهم وهو قول مالك وأحمد وأصحاب الرأي والشافعي في أحد قوليه ، وقال في الآخر يجوز قتلهم (راجع المغنى 8/477- مغنى المحتاج 4/223- بدائع الصنائع 7/103) فأما إذا كان لهم رأى أو قاتلوا جاز قتلهم باتفاق العلماء أما النساء والصبيان فلا يقتلون لحديث ابن عمر y"أن النبي صلي الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان" [متفق عليه] .
والعبيد كالنساء والصبيان عن الجمهور . ومن قاتل من هؤلاء جميعًا قتل بلا خلاف (المغنى 8/475-478) ، ويصبح النساء والصبيان والعبيد رقيقًا بمجرد الأسر (المنهاج للنووي بشرح مغنى المحتاج 4/227-المغنى 8/379) .
قال النووي: ويجوز حصار الكفار في البلاد والقلاع وإرسال الماء عليهم ورميهم بنار ومنجنيق وتبييتهم في غفلة فإن كان فيهم مسلم أسير أو تاجر جاز ذلك على المذهب ول التحم حرب فتترسوا بنساء وصبيان جاز رميهم وإن دفعوا بهم عن أنفسهم ولم تدع ضرورة إلى رميهم فالأظهر تركهم وإن تترسوا بمسلمين فإن لم تدع ضرورة إلى رميهم تركناهم وإلا جاز رميهم في الأصح ، وذكر ابن قدامة في المغنى نحو ذلك (8/448-454) .
فإن سأل الساري تخليتهم على إطاء الجزية فقد قال ابن قدامة: لم يجز ذلك في نسائهم وذراريهم لأنهم صاروا غنيمة كالسبي ، وأما الرجال فيجوز ذلك فيهم ولا يزال التخيير الثابت فيهم ، وقال أصحاب الشافعي: يحرم قتلهم كما لو أسلموا ولنا أنه بدل لا تلزم الإجابة إليه فلم يحرم قتلهم كبدل عبدة الأوثان (8/375) ورجح في مغنى المحتاج عدم الوجوب وبقاء التخيير.
تناولنا في الفصل السابق أصناف من يقاتلون من الكفار وصفة قتالهم ، ونتناول في هذا الفصل بيان أصناف من يقاتلون من المنتسبين للإسلام ، ولاشك في خطورة هذه المسألة ، فإن أمر الدماء وحرمتها من أعظم الأمور كما قال النبي صلي الله عليه وسلم:"لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا" [رواه البخاري] .
وغلظ النبي صلي الله عليه وسلم على أسامة قتله الرجل بعد نطق الشهادة فقال صلي الله عليه وسلم:"أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله ، فكيف تفعل بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة"متفق عليه .
وفى الصحيح قول النبي صلي الله عليه وسلم:"أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء"، فوجب على المسلمين أن يحترزوا أعظم التحرز قبل أن يقدموا على قتال أو قتل من ثبت له حكم الإسلام إلا ببينة أوضح من شمس النهار ، وفى نفس الوقت يلزما إن يقاتلوا من أمر الشرع بقتاله حفظًا لرأسمال الإسلام حتى قال ابن هبيرة فيما نقله .
ابن حجر في الفتح (12/301) : (( إن قتال الخوارج أولى من قتال المشركين والحكمة فيه أن قتالهم حفظ لرأسمال الإسلام ، وفى قتال أهل الشرك طلب الربح وحفظ رأس المال أولى ) )، ومقصوده قتال المشركين قتال الطلب الذي هو فرض كفاية ، أما الدفع فهو حفظ لرأسمال الإسلام أيضًا ، بل هو أعظم بلا شك إذ في تركه تبديل الملة وفى ترك قتال من لزم قتاله من المسلمين تأويلها إلا أن القتال على التأويل الفاسد المذموم يمنع الانحراف المهلك الذي سار في طريقة اليهود والنصارى حتى صاروا إلى الكفر .
أصناف من يقاتلون من المنتسبين إلى الإسلام
وردت أدلة الكتاب والسنة والإجماع بالأمر بقتال عدة طوائف من أهل القبلة ، وهم أهل البغي وقطاع الطرق ومن أبى قبول الفرائض والتزامها وامتنع عن شريعة من شرائع الإسلام ، وإن لم يخرج عن الدين كمانعي الزكاة .
* الطائفة الأولى: البغاة:
الأصل في قتالهم قوله I: ) وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله ، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إن الله يحب المقسطين ، إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ( ]الحجرات9-10[.
قال ابن قدامة في المغنى (8/104) : وفى هذه الآية خمس فوائد:
أحدها: أنهم لم يخرجوا بالبغي عن الإيمان ، فإنه سماهم مؤمنين .
الثانية: أنه أوجب قتالهم .
الثالثة: انه أسقط قتالهم إذا فاءوا إلى أمر الله .
الرابعة: أنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم .
الخامسة: أن الآية أفادت جواز قتال كل من منع حقًا عليه .
وقال: الخارجون عن قبضة الإمام أصناف أربعة:
أحدها: قوم امتنعوا وخرجوا عن طاعته وخرجوا عن قبضته بغير تأويل ، فهؤلاء قطاع طرق ساعون في الأرض بالفساد يأتي حكمهم في باب منفرد.