فهرس الكتاب
وأوّل من فعله إبراهيم عليه السَّلام؛ فإنه لما خاف من قومه قال: { إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى ربي } [ العنكبوت: 26 ] ، وقال: { إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ } [ الصافات: 99 ] . وقال مخبرًا عن موسى: { فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفًا يَتَرَقَّبُ } [ القصص: 21 ] . الخامس خوف المرض في البلاد الوَخمَة والخروج منها إلى الأرض النَّزهة . وقد أذن صلى الله عليه وسلم للرّعاة حين استوخموا المدينة أن يخرجوا إلى المسرح فيكونوا فيه حتى يصِحّوا . وقد استثني من ذلك الخروج من الطاعون؛ فمنع الله سبحانه بالحديث الصحيح عن نبيه صلى الله عليه وسلم ، وقد تقدّم بيانه في «البقرة» . بَيْدَ أن علماءنا قالوا: هو مكروه . السادس الفِرار خوف الأذية في المال؛ فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه ، والأهل مثله وأوكد . وأما قِسم الطلب فينقسم قسمين: طلب دِين وطلب دُنْيا؛ فأما طلب الدين فيتعدّد بتعدّد أنواعه إلى تسعة أقسام: الأوّل سفر العِبرة؛ قال الله تعالى: { أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ } [ الروم: 9 ] وهو كثير . ويُقال: إن ذا القرنين إنما طاف الأرض ليرى عجائبها . وقيل: لينفذ الحق فيها . الثاني سفر الحج . والأوّل وإن كان ندبًا فهذا فرض . الثالث سفر الجهاد وله أحكامه . الرابع سفر المعاش؛ فقد يتعذر على الرجل معاشه مع الإقامة فيخرج في طلبه لا يزيد عليه ، من صيد أو احتطاب أو احتشاش؛ فهو فرض عليه . الخامس سفر التجارة والكسب الزائد على القوت ، وذلك جائز بفضل الله سبحانه وتعالى؛ قال الله تعالى: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ } [ البقرة: 198 ] يعني التجارة ، وهي نِعمة مَنّ الله بها في سفر الحج ، فكيف إذا انفردت . السادس في طلب العِلم وهو مشهور . السابع قصد البِقاع؛ قال صلى الله عليه وسلم:"لا تشدّ الرّحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد"الثامن الثغور للرباط بها وتكثير سوادها للذب عنها . التاسع زيارة الإخوان في الله تعالى؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"زار رجل أخًا له في قريةٍ فأرصد الله له ملكًا على مَدْرَجِتِهِ فقال أين تريد فقال أُريد أخًا لي في هذه القرية قال هل لك من نعمةٍ تَرُبّها عليه قال لا غير أني أحببته في الله عزّ وجل قال فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه"رواه مسلم وغيره
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله (1) :
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حَيْوَة وغيره قالا حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود قال: قطع على (5) أهل المدينة بعْثٌ، فاكتتبت فيه، فلقيتُ عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم فَيُرمى (6) به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب عنقه فيقتل، فأنزل الله [عز وجل] (7) { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ } رواه الليث عن أبي الأسود (8) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرَّمَادِي، حدثنا أبو أحمد -يعني الزبيري-حدثنا
(1) في أ:"الجنات".
(2) رواه مسلم في صحيحه برقم (1884) ، وهو عند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه لا من حديث أبي سعيد الخدري برقم (2790) .
(3) في أ:"إنه".
(4) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره وابن مردويه كما في الدر المنثور (2/645) .
(5) في أ:"من".
(6) في د، ر أ:"يرمى".
(7) زيادة من ر.
(8) صحيح البخاري برقم (4596) .
محمد بن شَرِيك المكي، حدثنا عمرو بن دينار، عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم بفعل بعض (1) قال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين (2) وأكرهوا، فاستَغْفَروا لهم، فنزلت: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ [قَالُوا فِيمَ كُنْتُم } إلى آخر] (3) الآية، قال: فكتب إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية: لا عذر لهم. قال: فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت هذه (4) الآية: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ } الآية (5) [البقرة: 8] .
وقال عكرمة: نزلت هذه الآية في شباب من قريش، كانوا تكلموا بالإسلام بمكة، منهم: علي بن أمية بن خَلَف، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاص بن منبه (6) بن الحجاج، والحارث بن زَمْعة.
(1) - تفسير ابن كثير - (ج 2 / ص 388)