فهرس الكتاب
8.وإذا كانتِ العِلّةُ الشرعيةُ في إخراجِ المشركين من هذه الجزيرةِ ، وعدمِ الرضا بأي كيان لهم فيها ، هي: لتبقى هذه الديارُ ديارَ إسلامٍ ، وأهلُها مسلمين ، فتسلمُ قاعدةُ المسلمين ، ويسلم قادتُهم من أي تهويد أو تنصير ... فإن الحكمَ يدور مع علته .
وعليه ؛ فلا يُفيد هذا الحكمُ القصرَ على إخراج أجسادِ المشركين من هذه الجزيرة ، بل يرمي إلى ما هو أبعدُ من ذلك إلى العلة التي من أجلها وجب إخراجهم منها وحَرُمَت سُكناهم فيها .
ولذا؛ فيشمل هذا الحكمَ إخراجُ نفوذهم وتوجيههم وحضارتهم ودعوتهم وتياراتهم المعادية للإسلام وعن كل ما يهدّد أخلاقيات هذه البلاد وينال من كرامتها .
فاحتفِظ - حَفِظنا الله وإياك بالإسلام - بهذا المَدرَكِ الفقهي ، و أسِّس عليه ما تراه من الضمانات بعدُ .
9.وعليه ؛ إذا كانت الجزيرةُ وبخاصةٍ قلبَها تثير حساسية المسلمين عند أي هجمة شرسة عليها من استيلاء استعماري أو فرض منهج عقدي أو سلوكي علني فإن العِدا والمبطنين لها سلكوا مسلك الوأد الخفي لعصب الحياة في العالم الإسلامي على أرض الجزيرة: الإسلام صافيا على منهاج النبوة وذلك بتسرب موجات الغزو تحت شعار الحضارة وقناع العلم وتكثيف اجتماعات ولقاءات تكسر حاجز النفرة من الأهواء المضلة وتذوب صفاء الحياة وتكدر صفوها وتقودها إلى تراقي الاحتضار .
وعليه ؛ فيجب أن يُحسب لهذا كلُّ حساب ، فليُرفَض كلُّ سابلة تؤدي إلى هذا المضمار .
ومن ألأم هذه المسالك ما يعود به عدد من المبتعثين من شباب هذه الأمة إلى ديار الكفر إذ يعودون وهم يحملون تحللا عقديا رهيبا منضوين تحت لواء حزبي مارق وفي لحظات يمسكون بأعمال قيادية عن طريقها ينفِّذون مخططاتهم ويدعو بعضهم بعضا فيتداعون على صالحي الأمة وعلى صالح أعمالها وهذا أضرّ داء استشرى في هذه الجزيرة فهل من متيقظ ؟! وهل من مستبصر ؟!
أما فتح المدارس العالمية الأجنبية الاستعمارية فهي صعقة غضبية يتناثر الصبر دونها ، فحرام فتحها ، وحرام دخول أولاد المسلمين فيها، وقد أفردت بشأنها كتابا- والحمد لله رب العالمين - .
10.وعليه ؛ فتجب ملاحقة البدع ومحاصرتها في أمر كلي أو جزئي وإن دقّ وتنظيف الجزيرة منها .
فإنه"متى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن ، فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث" (11) .
وإن وجد من يحمل حدثا وبدعة في الإسلام فتستصلح حاله أو يطرد من هذه الجزيرة وينفى عنها لأن الله إذا حرّم شيئا حرم الأسباب الموصلة إليه فقد حرم الشرع استيطان الكفار لهذه الجزيرة ، والأهواءُ المضلة سابقةُ الخروجِ من الملة ، والبدعُ بريدُ الكفر ، والمبتدعة خفراؤه ، فإذا تعذّر استصلاح حملة البدعة والنافخين في كيرها تعيّن نفيُهم حمايةً لحرمة قاعدة الإسلام وسَكَنَتها .
11.جزيرة العرب هي بارقة الأمل للمسلمين في نشر عقيدة التوحيد لأنها موئل جماعة المسلمين الأول وهي السُّور الحافظ حول الحرمين الشريفين فينبغي أن تكون كذلك أبدا فلا يسمح فيها بحال بقيام أي نشاط عقدي أو دعوي - مهما كان - تحت مظلة الإسلام ؛ مخالفا منهاج النبوة الذي قامت به جماعة المسلمين الأولى: صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدّده وأعلى مناره الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى .
فالجماعة واحدة: جماعة المسلمين تحت عَلَم التوحيد على طريق النبوة لا تتوازعُهم الفرق والأهواء ولا الجماعات والأحزاب .
وإن قبول أي دعوة تحت مظلة الإسلام تخالف ذلك هي وسيلةُ إجهازٍ على دعوة التوحيد وتفتيتٍ لجماعة المسلمين ، وإسقاطٍ لامتياز الدعوة ، وسقوطٍ لجماعتها ، وكسرٍ لحاجز النفرة من البدع والمبتدعين ، والفسق والفاسقين .
والجماعات إن استشرى تعددها في الجزيرة فهو خطر داهم يهدد واقعها ويهدم مستقبلها ويسلّم بيدها ملفَّ الاستعمار لها وبه تكون مجمّع صراع فكري وعقدي وسلوكي ينشأ عن ذلك (12) إسلامٌ إقليمي: فينشأ إسلام إيراني ، وإسلام تركي ، وإسلام هندي ، وإسلام أفغاني ، وإسلام أوروبي ، وإسلام أمريكي ويظهر في جانب من جوانب العالم الإسلامي الواسع تحريفٌ ديني أو مسخ للإسلام أو تنجح مؤامرة يحوكها رجل ذكي من أعداء الإسلام فلا تمكن مقاومتها والتغلب عليها وكان ذلك من حِكم مشروعية الحج وأسراره لأنه استعراضٌ عالميٌّ للأمم الإسلامية وطبقات الأمة المسلمة على صعيد واحد ووقت واحد في رحاب البيت الحرام الذي جعله الله ملتقى المسلمين وقياما للناس (13) .
ولما كانت الجزيرةُ والحجازُ معقلَ الإسلام ومبدأه ومنتهاه ، والموئلَ الذي يأوي إليه الإسلامُ والمسلمون في ساعات عصيبة وأزمات مختلفة وفي آخر الزمان وقد جاء في بعض الأحاديث مايدلّ على ذلك فعن عمرو بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن الدين ليأرِزُ إلى الحجاز كما تأرِز الحيةُ إلى جُحرها ، وليعقِلَنَّ الدينُ من الحجاز مَعقِلَ الأَروِيَة من رؤوس الجبال" (14) .
وعن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود كما بدأ، وهو يأرِزُ بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جُحرها" (15) .