فهرس الكتاب

الصفحة 1629 من 1664

وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الإيمان ليأرِز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها" (16) .

ولما كانت هذه الجزيرةُ وهذه البقاعُ المقدسة مصدرَ الإشعاعِ العالمي الإسلامي ، ومقياسَ قوةِ الإسلام وسلطانه ؛ كان علماء المسلمين وقادتهم - في كل زمن وبلد - شديدي الحساسية لما يقع فيها من حوادث ولما يجري فيها من تيارات دقيقي الحساب لمدى تمسكها بالتعاليم والآداب الإسلامية ومحافظتها على الروح الدينية والعاطفة الإسلامية كبيري الغيرة عليها وعلى قيادتها للعالم الإسلامي وقد تجلى ذلك في كتابات علماء الإسلام وأدبهم وشعرهم في أزمنة مختلفة وقد سار قول أشهر شعراء إيران وأدبائها: الشيخ مصلح الدين سعدي الشيرازي (المتوفى 691) مسير المثلِ:

"إذا بدأت طلائع الفساد والانحرافات من فناء الكعبة ورحاب البيت الحرام ؛ فعلى الإسلام والمسلمين السلام".

وقد فزع الشاعر الفارسي المسمى بأبي المجد مجدودٍ الغزنوي المعروف بالحكيم السَّنَّائي (المتوفى 546) لحوادثَ جرت في عصره ولتسرُّب نفوذ بعض القوى المعادية للإسلام إلى جزيرة العرب وإلى البقاع المقدسة ومركز الإسلام فأشار إلى ذلك في قصيدة له وحَسَب له كلَّ حساب وحذّر العالمَ الإسلامي من سوء عاقبته وأثارَ غيرةَ أهلِ الحجاز وأبناءِ الجزيرة"انتهى ."

فواجبٌ واللهِ تنظيفُ هذه الجزيرة من تلكم المناهج الفكرية المبتدعة والأهواء الضالة وأن تبقى عُنوانَ نُصرةٍ للكتاب والسنة والسيرِ على هدي سلف الأمة حربا للبدع والأهواء المُضِلّة .

12.وعليه ؛ فيجب تعميقُ الرابطة الدينية ثم يجب جَذمُ جُذورِ العصبية لغير الكتاب والسنة مهما ظهرت في أي مِسلاخ فهي عصبيات جاهلية مُنتِنَة تثيرُ الشغب وتشعلُ الفتن وتضرِمُ المشاكلَ وتزرعُ الإحنَ .

فواجبٌ محاصرتها وإطفاؤها وتحطيمُ جمعِها، سواءٌ أكانت عصبيةً قَبَليّة أم عصبيةً رياضية أو سواهُما من تلكم الموجات الكاسحة التي تبذل فيها جهود الشياطين حاملين جراثيم الهرج ركضا وراء السراب لنَقلَةِ شباب الأمة إلى آخر أشواط التخلف فيكونون هباء منثورا لا يقتلون صيدا ولا ينكؤون عدوا .

إنها قوة ما إن تفور إلا وتغور ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

13.يجب تعميق الوحدة الأخلاقية في قالب الإسلام لا غير فواجبٌ وقفُ مرحلة الإغارة على أخلاقيات هذه الجزيرة الإسلامية والانتقالِ منها إلى السلوكيات الغُثائية الوافدة في مجالات الحياة كافة وتحت إرخاء العَنان للترفّه والمد الحضاري الغُثائي الغربي ، والتهامِ اللذات والتسابق إلى عوامل الاسترخاء والتميّع والتفكيرِ المترهل والنَّهَم في جلب الكماليات والتسابُقِ إلى مظاهر البذخ حتى في اللباس للذكور والإناث كلُبس البنطال والقُبعة - الكبوس ، ويقال: البرنيطة - والألبسة الخالعة للنساء، وغيرها . فالله الله في لباسكم الإسلامي يا أهل الجزيرة .ومثل: المواقيت والمقاييس والموازين .. إلى آخر شهوةِ التشبّهِ بأعداء الله الكافرين .

وصدق النبي صلى الله عليه وسلم:"لتتبِعُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم شبرا بشبرٍ وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جُحر ضب لتبعتموهم" (17) .

وما هذا إلا لأن التشبه يفعل الأفاعيل فيُفقِدُ النفوسَ والبلادَ حُرمتها ومكانتها ويقطع صلتها عن الماضي ويشبه إلى حد بعيد (الميكروبات) فتلك تُمرض القلوب وهذه تُمرض الأبدان .

وإذا كانت الشريعة تنهى عن هذا عمومَ المسلمين ؛ فإن النهي يتأكد في حق أهل هذه الجزيرة .

وواجبٌ واللهِ بجانبِ وقفِ هذا المدِّ عنهم: ترميمُ ما فسد في هذه العصابة الكريمة وما داخَلَها من أخلاق وافدة غريبة عليها في دينها وعُنصُرِها .

ولا بدّ من دعوةٍ جَهيرة لصدّ هذه العوادي و الوِفاداتِ المفسدة لأخلاقيات هذه البلاد وكفّ الخطر المحيط بها، وإنشاءِ أهلِها خَلقا آخر على سَنَنِ الفطرة يمزقون بهَديِهِم وفِعالهم تلك الحملات الغُثائية وما ذلك على الله بعزيز .

14.التميُّز في عامة الهدي عملا وقدوة ودعوة على رسم الكتاب والسنة بلا مضاهاة ولا مشابهة ولا تَغَرُّب فإن الشريعة تنهى عن المضاهاة والتشبه بالمشركين والمنافقين وبالشياطين وبالأعاجم والمبتدعة وأهل الأهواء وبالنساء والمخنّثين .. ونحو ذلك من وجوه الانحراف القاضية على تميز الشخصية الإسلامية بأي نوع من أنواع الانحراف بما"قد يكون كفرا وقد يكون فسقا وقد يكون سيئة وقد يكون خطأ ."

وهذا الانحراف أمرٌ تتقاضاه الطباع ويزينه الشيطان فلذلك أمِرَ العبدُ بدوام دعاء الله سبحانه بالهداية إلى الاستقامة التي لا يهودية فيها ولا نصرانية أصلا"."

وإن الشريعة تنهى عن التعرُّب ؛ بمعنى: الرجوعِ إلى البادية بعد الهجرة وبمعنى مشابهة الأعراب فيما يخالف هدي الإسلام ولو بالألفاظ ؛ كلفظ العَتمة:"لا تغلِبَنّكم الأعرابُ على اسم صلاتكم العتمة ؛ فإنما هي العشاء" (18) .وباديةُ كلِّ ديار بحسبها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت