فهرس الكتاب
( فَرْعٌ ) فَأَمَّا تَعْظِيمُهُ لِمَصْلَحَةٍ خَاصَّةٍ بِالْمُعَظِّمِ مِنْ تَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ , أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ فِي نَفْسٍ أَوْ مَالٍ , فَالْأَقْرَبُ أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُبِحْهُ لِذَلِكَ إذْ عِتَابُ قوله تعالى تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ * وَسَبَبُ نُزُولِهَا وَعُمُومُ لَفْظِ أَوَّلِهَا , لِكُلِّ عَدُوٍّ لِلَّهِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ ذَلِكَ , إذْ نَزَلَتْ مُعَاتِبَةً عَلَى مُدَاهَنَتِهِمْ رَجَاءَ مَنْفَعَتِهِمْ , وَلَفْظُهَا عَامٌّ لِكُلِّ مَوَدَّةٍ , فَلَا يُقْصَرُ عَلَى سَبَبِهَا , وَقَدْ نَبَّهَنَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى ذَلِكَ فِي قوله تعالى قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ * إلَى قَوْلِهِ وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ * فَنَبَّهَ سُبْحَانَهُ عَلَى أَنَّ خَوْفَ الْمَضَرَّةِ مِنْ مُنَابَذَةِ الظَّالِمِينَ فِي النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ وَمُفَارِقَةِ الْأَحْبَابِ لَيْسَ وَجْهًا مُرَخِّصًا فِي تَرْكِ جِهَادِهِمْ حَيْثُ وَجَبَ , وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ رَجَاءُ نَفْعِهِمْ وَخَوْفُ مَضَرَّتِهِمْ سَبَبَ تَرْخِيصٍ فِي جَوَازِ تَعْظِيمِهِمْ سِيَّمَا وَقَدْ قَرُبَ مِنْ التَّصْرِيحِ بِذَمِّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ؟ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ . قَالُوا: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا * وَكَفَى بِظَاهِرِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم الْقَوْا الْفُسَّاقَ بِوُجُوهٍ مُكْفَهِرَّةٍ * وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ مَشَى إلَى ظَالِمٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ الْإِسْلَامِ * فَلَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ إلَّا مَا خَصَّتْهُ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَلَمْ يُخَصَّصْ هَذَا الْوَجْهُ بِالْجَوَازِ دَلَالَةً , وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُ الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ مَعَ أَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي قَدَّمْنَا فِي حُكْمِ الْمُصَرِّحَةِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ , وَالْخَبَرُ الَّذِي رَوَاهُ فِي الشَّمْسِ فِي ذَمِّ الْعُلَمَاءِ الْمُوَاصِلِينَ لِلْأُمَرَاءِ حَيْثُ قَالَ"فَأَصَبْتُمْ مِنْ دُنْيَاهُمْ دُنْيَاهُمْ فِي دِينِكُمْ"مُصَرِّحٌ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ بِلَا إشْكَالٍ فَأَمَّا مَا اُشْتُهِرَ مِنْ مُوَاصَلَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عليه السلام لِمُعَاوِيَةَ وَزَيْنِ الْعَابِدِينَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ فَمَنْ بَحَثَ السِّيَرَ وَالْآثَارَ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّهُمْ لَمْ يَصِلُوا إلَيْهِمْ وُصُولَ تَعْظِيمٍ فِي مُجَرَّدِ قَصْدِ زِيَارَةٍ أَوْ تَهْنِئَةٍ أَوْ وَدَاعٍ أَوْ وَجْهٍ يَقْصِدُونَ بِهِ مُدَارَاتَهُمْ بِوَجْهِ تَعْظِيمٍ وَإِنَّمَا وَصَلُوا فِي الرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ إمَّا مَطْلُوبِينَ إلَى حَضْرَتِهِمْ أَوْ لِطَلَبِ حَاجَةٍ عَامَّةٍ , فَإِذَا عَرَضَ خِطَابٌ أَوْ فِعْلٌ ظَهَرَ مِنْهُمْ الِاسْتِخْفَافُ الْكُلِّيُّ بِهِمْ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ , وَمِنْهُ الْقِصَّةُ الْمَشْهُورَةُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مَعَ مُعَاوِيَةَ وَأَخِيهِ عُتْبَةُ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَمَا سَجَّلَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ كُلَّ وَاحِدٍ وَحْدَهُ . وَمِنْهُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي بَعْضِ الْحَوَائِجِ , فَانْقَطَعَ مُعَاوِيَةُ فِي مَشُورَةِ بَعْضِ أَصْحَابِهِ فِي جَانِبِ الْمَجْلِسِ سَاعَةً , فَكَتَبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فِي دَوَاةِ مُعَاوِيَةَ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ: لَنَا الْفَضْلُ يَا هَذَا عَلَيْكَ بِبَذْلِنَا إلَيْكَ وُجُوهًا لَمْ تَشِنْهَا الْمَطَالِبُ وَإِنَّ الَّذِي نُعْطِيكَ مِنْ حُرِّ أَوْجُهٍ لَأَفْضَلُ مِمَّا أَنْتَ مُعْطٍ وَوَاهِبُ وَكَفَى بِمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ رَبِّهِ فِي عِقْدِهِ وَالْمَسْعُودِيُّ فِي مُرُوجِهِ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ عَقْدِ الصُّلْحِ قَالَ لِلْحَسَنِ عليه السلام قُمْ فَأَعْلِمْ النَّاسَ أَنَّك قَدْ سَلَّمْت لِي هَذَا الْأَمْرَ , فَقَامَ وَخَطَبَ وَشَكَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ , وَكَانَ مِمَّا قَالَهُ: إنَّمَا الْخَلِيفَةُ مَنْ عَمِلَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ . وَأَمَّا صَاحِبُكُمْ هَذَا فَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ مَلَكَ مُلْكًا يَتَمَتَّعُ بِهِ قَلِيلًا , وَيُعَذَّبُ بِسَبَبِهِ طَوِيلًا وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إلَى حِينٍ * أَوْ كَمَا قَالَ: وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا نُقِلَ مِنْ مُوَاصَلَةِ الْعُلَمَاءِ الرَّاشِدِينَ