عنه الغبش , ويحذر الجماعة المسلمة من العدو الغادر والكيد الماكر , ويقود خطاها بين الأشواك والمصايد والأحابيل , قيادة الخبير بالفطرة العليم بما تكن الصدور . .
ومن وراء هذا كله تبقى التوجيهات والتلقينات التي احتوتها السورة خالصة طليقة من قيد الزمان والمكان , وقيد الظروف والملابسات , تواجه النفس البشرية , وتواجه الجماعة المسلمة - اليوم وغدا - وتواجه الإنسانية كلها , وكأنها تتنزل اللحظة لها , وتخاطبها في شأنها الحاضر , وتواجهها في واقعها الراهن . ذلك أنها تتناول أمورا وأحداثا ومشاعر وجدانية وحالات نفسية كأنما كانت ملحوظة في سياق السورة . . بل هي ملحوظة قطعا في تقدير العليم الخبير بالنفوس والأشياء والأمور.
ومن ثم يتجلى أن هذا القرآن هو قرآن هذه الدعوة في أي مكان وفي أي زمان . وهو دستور هذه الأمة في أي جيل ومن أي قبيل . وهو حادي الطريق وهادي السبيل على توالي القرون . . ذلك أنه خطاب الله الأخير لهذا الإنسان في جميع العصور . .
في هذه الفترة كانت الجماعة المسلمة في المدينة قد استقرت بعض الاستقرار في موطنها الجديد في مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومضت خطوة وراء الموقف الذي صورناه من قبل في هذه الظلال في مطلع استعراض"سورة البقرة".
كانت غزوة بدر الكبرى قد وقعت ; وكتب الله فيها النصر للمسلمين على قريش . وكان هذا النصر بظروفه التي تم فيها والملابسات التي أحاطت به تبدو فيه رائحة المعجزة الخارقة . . ومن ثم اضطر رجل كعبد الله بن أبي بن سلول من عظماء الخزرج أن ينزل عن كبريائه وكراهته لهذا الدين ونبيه - صلى الله عليه وسلم - وأن يكبت حقده وحسده للرسول الكريم ; وأن ينضم - منافقا - للجماعة المسلمة , وهو يقول:"هذا أمر قد توجه". . أي ظهرت له وجهة هو ماض فيها لا يرده عنها راد !
بذلك وجدت بذرة النفاق في المدينة - أو تمت وأفرخت , فقد كان هناك قبل بدر من اضطروا لمنافقة أهلهم الذين دخلوا في الإسلام - وأصبحت مجموعة من الرجال , ومن ذوي المكانة فيهم , مضطرة إلى التظاهر بالإسلام , والانضمام إلى المجتمع المسلم , بينما هي تضمر في أنفسها الحقد والعداء للإسلام والمسلمين ; وتتربص بهم الدوائر ; وتتلمس الثغرات في الصف ; وتترقب الأحداث التي تضعضع قوى المسلمين أو تزعزع الصف المسلم , ليظهروا كوامن صدورهم , أو ليضربوا ضربة الإجهاز إذا كان ذلك في مكنتهم !
وقد وجد هؤلاء المنافقون حلفاء طبيعيين لهم في اليهود , الذين كانوا يجدون في أنفسهم من الحقد على الإسلام والمسلمين , وعلى نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام مثل ما يجد المنافقون بل أشد . وقد هددهم الإسلام تهديدا قويا في مكانتهم بين"الأميين"من العرب في المدينة ; وسد عليهم الثغرة التي كانوا ينفذون منها للعب بين الأوس والخزرج , بعدما أصبحوا بنعمة الله إخوانا , وفي ظل الإسلام صفا واحدا مرصوصا .