إننا وبلا شك لم نؤتَ إلا من قبل أنفسنا.. لكن المخجل أن نظل مستسلمين ننتظر من عدونا المزيد.. إن لم نكن نحفر له الخنادق ونرسم له خارطة الطريق!! كم أعجب ولا ينقضي عجبي من قوم ينعقون بما ينعق به الغرب من هجوم على ثوابت الدين ومبادئه. شأنهم في ذلك شأن من يمد طرف الحبل لمن يريد أن يشنقه به!! وشرّ الهزائم على الإطلاق هزائم النفوس.. وتلك التي لا يجبر صدعها..
لم يكن لأبرهة أن يعرف الطريق لولا أبي رغال..
ولم يكن للتتار أن يفعلوا ببغداد ما فعلوا لولا الوزير الرافضي ابن العلقمي... ويبقى أمر الله ـ قبل ذلك وبعده ـ قدرا مقدورا!
فليت شعري.. كم بيننا من ابن العلقمي؟! وكم فينا من أبي رغال؟!
فليس للغرب أن يفهموا ديننا أو يتلمسوا منا الثغرات لولا أبناء من بني جلدتنا تبرعوا بهذه المهمة ونصبوا أنفسهم لها.. بطريقة لا يشم منها رائحة الإخلاص ولا نزاهة النصح.. وشتان بين عتاب الأخ وشماتة العدو..
كل الذي أعرفه:
أن الغضبة على أبي رغال استمرت لأجيال عديدة، فكان الجاهليون يرجمون قبره كلما مروا به..
وأن العدو انقلب على ابن العلقمي فمات كمدًا وضيقًا مما لقيه على أيدي التتار الذين ناصرهم.
فمتى يدرك أمثالهم منطق الأعداء وأنموذج هداياه وعطاياه على مر العصور؟!
ـــــــــــــــ
محمود سلطان
كان ابن خلدون - رحمه الله - أول من لفت إلى أن"ثقافة الهزيمة"لها لغة ومفردات ومصطلحات، تتجلى في ممارسات النخبة التي تكون عادة شديدة التماس مع كل ما هو فكري أو ثقافي أو سياسي. واعتبر"التطبيع الثقافي"من أبرز تجليات العلاقة بين"الغالب والمغلوب"، سيما في مفردات الحياة اليومية: المأكل والمشرب والملبس، وطريقة الكلام والتفكير، والعقائد والفلسفات، وهي علاقة ليست حوارية مؤسسة على"المثاقفة"، وإنما علاقة تبعية وتقليد وإذعان، وهي المحطة الأخيرة في سلسلة الانكساريات المتتالية أمام الغالب، التي تبدأ بالهزيمة العسكرية، لتنتهي بالتسليم بالهزيمة الثقافية. ويرجع ذلك ابن خلدون، إلى أن"المغلوب عادة ما يعتقد الكمال في الغالب المنتصر".
بعد الحملة الفرنسية على مصر (1798 ـ 1801) ثم هزيمة أحمد عرابي (1841 ـ 1911) عسكريا و احتلال بريطانيا لمصر عام 1882، كانت بعض النخب السياسية والفكرية المصرية النشطة والمتنفذة في دوائر التأثير على الرأي العام، البيئة التي تلقت الهزيمة، ليس باعتبارها"حدثا"