ولكن هذا القرآن يهتف لها بهذه الحقيقة كذلك . ولئن كانت اليوم إنما تعيش في قوله تعالى: (إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس) . .
فأولى لها أن تستجيب لدعوة الحياة التي يدعوها إليها رسول الله ; وأن تترقب في يقين وثقة , موعود الله للعصبة المسلمة , موعوده الذي حققه للعصبة الأولى , ووعد بتحقيقه لكل عصبة تستقيم على طريقه , وتصبر على تكاليفه . .
وأن تنتظر قوله تعالى: (فآواكم وأيدكم بنصره , ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون) .
وهي إنما تتعامل مع وعد الله الصادق - لا مع ظواهر الواقع الخادع - ووعد الله هو واقع العصبة المسلمة الذي يرجح كل واقع !
ــــــــــــــــــــ
قال تعالى: * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ* (31) سورة الأنفال
حِينَمَا كَانَ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - يَتْلُو القُرْآنَ عَلَى كُفّارِ قُرَيشٍ كَانُوا يَقُولُونَ: قَدْ سَمِعْنا ، لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنا مِثْلَهُ . وَلَكِنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يَسْتَطِعْ قَوْلَ شَيءٍ مِنْهُ ، لأنَّ اللهَ تَعَالَى تَحَدَّاهُمْ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ أَنْ يَأتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ . وَكَانَ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ أَنْ يَقُومَ بِهِ مَجْلِسِهِ الذِي يَقْرَأ فِيهِ القُرْآنَ ، وَيَدْعُو النَّاسَ إلى رَبِّهِمْ ، يَأْتِي النَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ فَيَجْلِسُ مَكَانَ الرَّسُولِ ، وَيُحَدِّثُ النَّاسَ بِأَسَاطِيرِ فَارِسَ وَالرُّومِ وَقَصَصِهِمْ القَدِيمَةِ ، وَيَقُولُ لَهُمْ: بِاللهِ أيُّنَا أَحْسَنُ قَصَصًا أَنَا أَوْ مُحَمَّدٌ؟
ذكر ابن كثير في التفسير - نقلا عن سعيد بن جبير والسدي وابن جريج وغيرهم - أن القائل لذلك هو النضر ابن الحارث قال:"فإنه - لعنه الله - كان قد ذهب إلى بلاد فارس , وتعلم من أخبار ملوكهم رستم واسفنديار ; ولما قدم وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بعثه الله وهو يتلو على الناس القرآن . فكان - عليه - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من مجلس جلس فيه النضر فحدثهم من أخبار أولئك ; ثم يقول:بالله أينا أحسن قصصا ? أنا أو محمد ? ولهذا لما أمكن الله تعالى فيه يوم بدر ووقع في الأسارى , أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تضرب رقبته صبرا بين يديه , ففعل ذلك والحمد لله . وكان الذي أسره المقداد بن الأسود رضي الله عنه . . كما قال ابن جرير:حدثنا محمد بن بشار , حدثنا محمد بن جعفر , حدثنا شعبة , عن أبي بشر , عن سعيد ابن جبير قال:قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر صبرا عقبة بن أبي معيط , وطعيمة بن عدي , والنضر بن الحارث . وكان المقداد أسر النضر , فلما أمر بقتله قال المقداد:يا رسول الله , أسيري ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنه كان يقول في كتاب الله عز وجل ما يقول". فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتله , فقال المقداد:يا رسول الله , أسيري ! فقال رسول الله صلى الله عليه"